Home »
حوار الفنان
التشكيلي حلمي التوني: إننا نصيح في الصحراء
التشكيلي حلمي التوني: إننا نصيح في الصحراء
حلمي التوني يحارب الجهل والتخلف والعمامات التي تغطي الرأس والفكر أيضا «هكذا لخص مجموعة من محبي الفنان التشكيلي المصري آراءهم حوله، وحول أعماله وجهده، في «صفحة» أنشأوها خصيصا لأجله على الموقع الاجتماعي الشهير «الفيس بوك»، «التوني» الذي أكد أن هناك تراجعا واضحا في مستوى الرسوم الصحافية بمصر، لم يكن يعرف أن أحدا ما كتب عنه هذا الكلام.
قال حلمي التوني: يبدو أن هناك من يعي وهذا شيء يسعدني، فأنا أحيانا أشعر كما يشعر كثيرون ممن يكتبون أو يرسمون أننا نصيح في الصحراء، ومعنى هذا الكلام أننا لا نفعل، وأن صوتنا يصل إلى بعض الناس الذين يفهمون ما نريد أن نقول سواء عبر الرسم أو الكتابة، وأن بعضهم- وهذا كاف جدا وجميل- موافق على ما نقول، ومعجب به.
• كيف وجدت حال المرأة في معرضك «على الشاطئ»؟
- وجدتها ترتدي - مايوها شرعيا - بينما في الأصل الشرع ليس فيه مايوه، ولا أدري متى تم اختراع المايوه الشرعي، هذه المظاهر كانت لافتة بالنسبة لي، وهي ليست موجودة فقط على الشواطئ، ولكن في المجتمع ككل، هذا الخليط العجيب من الأزياء التي تحمل في طياتها أفكارا، وتعلن عن مبادئ، سواء مستترة أو معلنة، أو مفهومة أو مأخوذة من دون تفكير.
قد لا يكون هناك أحد تصدى لهذا الموضوع أو اقترب منه في مجال الفن التشكيلي، وأنا اقتربت منه بشكل شديد وواضح ومباشر وعنيف، وقد حاولت في هذا المعرض إضفاء السعادة والبهجة الى مشهد كان يمتاز بالسعادة والبهجة ثم أصابته القتامة والظلام والإظلام.
•هل ظهر تأثير هذا المشهد في استخدامك للألوان؟
- وجدتني دون أن أعي ألوّن تلوينا أكثر مما تعودت عليه في أعمالي السابقة، كأنه رد فعل أو محاولة لرد شيء عن فكري، وعن المشهد، لأن هذا المشهد لا يصح أن يكون بهذا السواد، الحياة جميلة ولابد أن نحرص على جمالها، و الا أصبحت آمالنا في الحياة فقط الآخرة.
• في أحد رسوم الكاريكاتير بجريدة الأهرام رسمت أم تقول لابنتها «يا رب أشوفك زي تسيبي لفني»، هل تراها نموذجا؟
- نعم، لأنها امرأة جميلة، وفي الوقت نفسه لديها قدر من الرجولة تفوق رجولة كثير من الرجال، أحسد اسرائيل على أن لديها امرأة تتولى رئاسة الوزارة، ووزارة الخارجية، أين هذا عندنا؟
لا أريد للمرأة عندنا أن يتوقف دورها عند وزارة الشؤون الاجتماعية، أو القوى العاملة، أريدها رئيسة وزارة، وهذا ليس بغريب ففي البرازيل جاءت رئيسة بلاد امرأة، وهناك رئيسات ووزيرات في بلاد اسلامية في باكستان وغيرها.
• معروف عن حلمي التوني استخدامه للرموز، فهل قدمت جديدا منها في هذا المعرض؟
- لقد عرفت باستخدامي للرموز، نتيجة اهتمامي بالفن الشعبي الذي يتميز برموز أساسية، ويقوم على السحر، والرموز والشخصيات المضافة التي تلعب دورا مهما، وفي بعض الأحيان تلعب دور- مفتاح اللوحة - كنت قديما أستخدم رموزا كثيرة كالهدهد والسمكة، ثم قدمت رموزا خاصة بي ليست للفنان الشعبي، كالبيضة، وفي هذا المعرض نجد رموزا جديدة كالسمكة، فبعد أن كانت كاملة، أقدمها في هذا المعرض على شكل سمكة مأكولة، أو هيكل عظمي.
•هل من رمز يمكن القول انه مفتاح المعرض؟
- هناك عنصر رمزي خاص جدا، أعتبره مفتاح المعرض، ألا وهو «برج»، يمكن أن تراه في لوحات المعرض الـ39، وهو رمز صغير يؤكد أن الحكاية ليست شكلية، وأن هناك أمرا أبعد من ذلك، هناك فكر مستتر، يريد أن يعبر عن نفسه.
فهذا البرج الذي نجده على الشواطئ، يجلس فيه عامل الانقاذ الذي ينقذ الناس من الغرق، وهو في الوقت نفسه مكلف ومطالب بأن يرفع كل يوم صباحا راية ذات لون معين، بيضاء، أو حمراء أو سوداء، وكانت الراية البيضاء معناها السماح بنزول البحر، والحمراء انتبه، والسوداء ممنوع النزول، ونجد أن جميع رايات البرج في المعرض عليها راية حمراء، بلا استثناء أي أن معناها انتبهوا.
•ماذا لو فوّت المشاهد ادراك هذا الرمز؟
- قد يدركه المشاهد بعقله الواعي، وقد لا يدركه، حينها سيدور في عقله الباطن، وهذه هي طريقة خطاب اللوحة، فليس من الضروري أن تخاطب العقل والعين بشكل مباشر.
•كيف تتعامل كفنان مع لغة اللوحة، ولغة الكاريكاتير؟
- في الستينات شعرنا بضعف الاقبال، وبغربة تنشأ بين المواطن المصري واللوحة، لذلك لجأت وبعض الفنانين الذين كان لهم توجه سياسي معين، الى العمل الصحافي كي نقيم مدرسة فنية تشكيلية على الورق بدلا من الجدران، كنوع من التمهيد ومحو أمية القارئ أو المشاهد المصري العادي.
كنت معروفا كرسام صحافي أكثر، وكنا نعتبر رسم اللوحة نوعا من الرفاهية التي يمارسها الفنان، البعض انغمس في الرسم الصحافي ولم يخرج، أنا وقلائل غيري كجورج البهجوري الذين استطاعوا الخروج من مأزق وفخ الرسم الصحافي.
لغة اللوحة مختلفة عن لغة الرسم الصحافي، خاصة رسم الكاريكاتير، ولا يجوز، بل يحرم، الخلط بينهما، فهذا خطاب، وهذا خطاب آخر، وأنا من القلائل الذين يمارسون العمل الفني الصحافي، وفي الوقت نفسه يمارسون رسم اللوحة، و هناك احتمالان، اما أن تصبح اللوحة مثل الرسم الصحافي، أو أن الرسم الصحافي يصبح مثل اللوحة، وهذا هو التحدي، وقد قررت أن أجعل الرسم الصحافي أقرب ما يمكن الى اللوحة، وأن تكون اللوحة أبعد ما يمكن عن الرسم الصحافي، هذا هو التحدي الذي يواجهه جميع الفنانين الذين عملوا في الصحافة.
• ما رأيك في الرسوم الصحافية الموجودة الآن؟
- هناك واقعة توصف الحال الذي وصلنا له جيدا، منذ سنوات، قررت الكاتبة سناء البيسي الصحافية المعروفة وحرم الفنان المرحوم منير كنعان أن تقوم بعمل مسابقة للرسم الصحافي احياء لذكرى زوجها، ورصدت جائزة، وتقدمت بالفكرة لنقابة الصحافيين، التي احتضنتها، وتقيم مسابقة سنوية، أحكمها مع الفنانين محمد حجي وجمال قطب.
ولكني منذ العام الماضي امتنعت عن التحكيم، لأن مستوى الأعمال المقدمة ضعيف للغاية، ولو نظرنا للرسوم المنشورة في الملاحق الأسبوعية للصحف اليومية الكبرى نكتشف مدى ضعف هذه الأعمال، بالرغم من أنه في وقت من الأوقات كان كبار الفنانين يرسمون في الصحافة مثل آدم حنين، وحسين بيكار، وجورج البهجوري، ويوسف فرانسيس وغيرهم.
لذلك كان امتناعي هذا العام عن التحكيم، كنوع من التنبيه الى أننا لا يجب أن نشجع هذا التدني، فحين أمنح جائزة خمسة آلاف جنيه لشاب رسم باهمال، دون أن يدرك قيمة العمل، ودون أن يجوده فأنا اذن أشجع على التراجع.
• ما أسباب هذا التراجع؟
- أولا عدم اقبال الفنانين الجيدين على المشاركة في العمل الصحافي، بالرغم من أن ذلك موجود في العالم المتحضر ففي أميركا مثلا هناك مجلة اسمها the newyorker مشهورة جدا، وهي من أرقى المجلات، يعتبر غلافها منذ سبعين سنة لوحة مهمة جدا، وكذلك الصحف، نرى المقالات السياسية الكبيرة في الصحف الكبرى العالمية سواء في انكلترا أو في أميركا تصاحبها رسوم في منتهى القيمة والقوة الفنية، ليست ترجمة فورية للمقال، هي مصاحبة له ومعبرة عنه، وقد حاولت تحقيق ذلك في مجلة «وجهات نظر» حين توليت رئاسة تحريرها الفنية، كذلك أصبح اهتمام المسؤولين عن تحرير الصحف بهذا الجانب ضئيلا، وللأسف ينظر الآن الى الصفحات الفنية والثقافية على أنها صفحات ليست ذات أهمية، وذلك لأنه لا يوجد لدى المسؤولين عن هذه الصحف تصور كامل عن دور الصحيفة الثقافية في المجتمع، وأنها من أهم وسائل تثقيف المجتمع، بالرغم من دور التلفزيون.
• كتب الأطفال... هل يخرج فيها حلمي التوني ما لا يخرجه في سواها؟
- نعم، هناك شيء ما داخلي يخرج بدرجة أكبر في كتب الأطفال، وقد رسمت منها ما لا أستطيع احصاءه، ولكني أعتز بشكل خاص بالكتب التي ألفتها ورسمتها بنفسي، خاصة سلسلة «كان زمان»، التي استعدت عبرها وسجلت فيها أمورا كثيرة اختفت من حياتنا، ملامح شعبية كانت في الشارع من تلك التي نحبها ونعتز بها - كالحاوي والقرداتي - وعربة الفول، وعربة الترمس.
استعدت عبرها الأبواب التي اختفت من حياتنا وأصبحت زجاجية بعد أن كانت من الحديد أو الخشب البديع، استعدت تفاصيل كانت موجودة داخل بيوتنا، كمحمصة ومطحنة البن، و صينية القلل بالنعناع والريحان التي كنا نعرفها، سجلت عبر هذه الكتب كيف أن الانسان المصري البسيط ـ خاصة في الريف ـ لم يزل يحافظ على التراث المصري القديم في الرسم على الجدران، كل كتبي للأطفال موجهة للكبار والصغار، تطرق مساحات غير مطروقة.
•الطفل داخلك... ماذا تريد له؟
- أريد أن أحافظ عليه، وأعتقد أنني محافظ عليه، هذا الطفل مهم جدا في الرسم بالنسبة لي، لو اختفى يجف الرسم، و لن أجد الجرأة لوضع المساحات الحمراء الكبيرة في لوحاتي، الا اذا كنت فنانا كبيرا عالميا، والفنان العالمي مثل بيكاسو هو طفل لم يتوقف عن اللعب، فكل الفنانين الكبار يعرفون أن الحفاظ على الطفل الموجود في الداخل هو كنز الفنان، اذا ضاع تخشّب وجفّ.
• هل وظيفة الكاريكاتير أن يُضحك فقط؟
- لا... وظيفته أن ينبه، وأنا لا أضحك أبدا، هناك أناس تخصصوا في الاضحاك، وهم أحرار هنيئا لهم، أنا أدعو الى السخرية، وليس الى الضحك، وكثيرا ما ألجأ الى نشر خبر منشور في الصفحة الأولى بجريدة الأهرام مثلا، وأعلق عليه تعليقا ساخرا.
-
• قلت انك لا تقبل أي توجيهات أو تعليقات على رسومك، هل حدث من قبل أن تم توجيهك أو الحذف من عملك؟
- لا يمكن أن يوجهني أحد، الحذف تم، ولكني لن أتحدث عنه، لأن هناك فضيحة كبيرة في هذا الشأن، ولكن أحيانا يخطئ أحد ويقول لي: «ما تعْملّنا حاجة عن كذا»، فأصمت بدلا من أشتمه وأبدي غضبي، فيفهم أني معترض،
ولكن فكرة التوجيه لم تعد مستغربة اليوم، حيث وصلنا الى الدرجة التي نرى معها في الصحف لوحة مكتوب عليها «فكرة رئيس التحرير وريشة فلان»، هذا أمر كنا نراه قديما - في مدرسة أخبار اليوم - أيام علي أمين ومصطفى أمين، حينها كان هناك مجلس للكاريكاتير يتألف من مصطفى أمين، وعلي أمين، وأحمد رجب يجتمع يوميا قبل مجلس التحرير، فيجلسون ويضعون أفكارا للكاريكاتير، ليرسمها رخا وصاروخان.
الرسامون كانوا معتادين على تلقي الأفكار وترجمتها الى رسم، أما حين ظهرت - مدرسة روزاليوسف - متمثلة في مجلة صباح الخير قضي تماما على هذا الأمر، أصبح لا يستطيع أحد أن يقول لصلاح جاهين ماذا يفعل ولا لحجازي أو رجائي، ولكن الآن من آن لآخر يحاول بعض الصحافيين املاء أفكارهم على أدوات التنفيذ الذين يُدعون رسامين، والفنانون يقبلون أو يرفضون هذا.
• لكن هؤلاء الفنانين الشباب يحتاجون الى دعم الكبار لمواجهة مثل هذه التدخلات؟
- هذه معركتهم، وهي معركة قاسية، وتزداد قوة مع الأيام، والحاجة للمال، ولكنها معركة حرية الفنان عليه الوقوف أمام التدخل في عمله، كذلك الصحافي عليه رفض التدخل فيما بكتب، هي معركة حرية في العالم والوجود والحياة، العالم كله يجب أن يخوض معركة حرية.
نقلا عن جريدة الرأي
قال حلمي التوني: يبدو أن هناك من يعي وهذا شيء يسعدني، فأنا أحيانا أشعر كما يشعر كثيرون ممن يكتبون أو يرسمون أننا نصيح في الصحراء، ومعنى هذا الكلام أننا لا نفعل، وأن صوتنا يصل إلى بعض الناس الذين يفهمون ما نريد أن نقول سواء عبر الرسم أو الكتابة، وأن بعضهم- وهذا كاف جدا وجميل- موافق على ما نقول، ومعجب به.
• كيف وجدت حال المرأة في معرضك «على الشاطئ»؟
- وجدتها ترتدي - مايوها شرعيا - بينما في الأصل الشرع ليس فيه مايوه، ولا أدري متى تم اختراع المايوه الشرعي، هذه المظاهر كانت لافتة بالنسبة لي، وهي ليست موجودة فقط على الشواطئ، ولكن في المجتمع ككل، هذا الخليط العجيب من الأزياء التي تحمل في طياتها أفكارا، وتعلن عن مبادئ، سواء مستترة أو معلنة، أو مفهومة أو مأخوذة من دون تفكير.
قد لا يكون هناك أحد تصدى لهذا الموضوع أو اقترب منه في مجال الفن التشكيلي، وأنا اقتربت منه بشكل شديد وواضح ومباشر وعنيف، وقد حاولت في هذا المعرض إضفاء السعادة والبهجة الى مشهد كان يمتاز بالسعادة والبهجة ثم أصابته القتامة والظلام والإظلام.
•هل ظهر تأثير هذا المشهد في استخدامك للألوان؟
- وجدتني دون أن أعي ألوّن تلوينا أكثر مما تعودت عليه في أعمالي السابقة، كأنه رد فعل أو محاولة لرد شيء عن فكري، وعن المشهد، لأن هذا المشهد لا يصح أن يكون بهذا السواد، الحياة جميلة ولابد أن نحرص على جمالها، و الا أصبحت آمالنا في الحياة فقط الآخرة.
• في أحد رسوم الكاريكاتير بجريدة الأهرام رسمت أم تقول لابنتها «يا رب أشوفك زي تسيبي لفني»، هل تراها نموذجا؟
- نعم، لأنها امرأة جميلة، وفي الوقت نفسه لديها قدر من الرجولة تفوق رجولة كثير من الرجال، أحسد اسرائيل على أن لديها امرأة تتولى رئاسة الوزارة، ووزارة الخارجية، أين هذا عندنا؟
لا أريد للمرأة عندنا أن يتوقف دورها عند وزارة الشؤون الاجتماعية، أو القوى العاملة، أريدها رئيسة وزارة، وهذا ليس بغريب ففي البرازيل جاءت رئيسة بلاد امرأة، وهناك رئيسات ووزيرات في بلاد اسلامية في باكستان وغيرها.
• معروف عن حلمي التوني استخدامه للرموز، فهل قدمت جديدا منها في هذا المعرض؟
- لقد عرفت باستخدامي للرموز، نتيجة اهتمامي بالفن الشعبي الذي يتميز برموز أساسية، ويقوم على السحر، والرموز والشخصيات المضافة التي تلعب دورا مهما، وفي بعض الأحيان تلعب دور- مفتاح اللوحة - كنت قديما أستخدم رموزا كثيرة كالهدهد والسمكة، ثم قدمت رموزا خاصة بي ليست للفنان الشعبي، كالبيضة، وفي هذا المعرض نجد رموزا جديدة كالسمكة، فبعد أن كانت كاملة، أقدمها في هذا المعرض على شكل سمكة مأكولة، أو هيكل عظمي.
•هل من رمز يمكن القول انه مفتاح المعرض؟
- هناك عنصر رمزي خاص جدا، أعتبره مفتاح المعرض، ألا وهو «برج»، يمكن أن تراه في لوحات المعرض الـ39، وهو رمز صغير يؤكد أن الحكاية ليست شكلية، وأن هناك أمرا أبعد من ذلك، هناك فكر مستتر، يريد أن يعبر عن نفسه.
فهذا البرج الذي نجده على الشواطئ، يجلس فيه عامل الانقاذ الذي ينقذ الناس من الغرق، وهو في الوقت نفسه مكلف ومطالب بأن يرفع كل يوم صباحا راية ذات لون معين، بيضاء، أو حمراء أو سوداء، وكانت الراية البيضاء معناها السماح بنزول البحر، والحمراء انتبه، والسوداء ممنوع النزول، ونجد أن جميع رايات البرج في المعرض عليها راية حمراء، بلا استثناء أي أن معناها انتبهوا.
•ماذا لو فوّت المشاهد ادراك هذا الرمز؟
- قد يدركه المشاهد بعقله الواعي، وقد لا يدركه، حينها سيدور في عقله الباطن، وهذه هي طريقة خطاب اللوحة، فليس من الضروري أن تخاطب العقل والعين بشكل مباشر.
•كيف تتعامل كفنان مع لغة اللوحة، ولغة الكاريكاتير؟
- في الستينات شعرنا بضعف الاقبال، وبغربة تنشأ بين المواطن المصري واللوحة، لذلك لجأت وبعض الفنانين الذين كان لهم توجه سياسي معين، الى العمل الصحافي كي نقيم مدرسة فنية تشكيلية على الورق بدلا من الجدران، كنوع من التمهيد ومحو أمية القارئ أو المشاهد المصري العادي.
كنت معروفا كرسام صحافي أكثر، وكنا نعتبر رسم اللوحة نوعا من الرفاهية التي يمارسها الفنان، البعض انغمس في الرسم الصحافي ولم يخرج، أنا وقلائل غيري كجورج البهجوري الذين استطاعوا الخروج من مأزق وفخ الرسم الصحافي.
لغة اللوحة مختلفة عن لغة الرسم الصحافي، خاصة رسم الكاريكاتير، ولا يجوز، بل يحرم، الخلط بينهما، فهذا خطاب، وهذا خطاب آخر، وأنا من القلائل الذين يمارسون العمل الفني الصحافي، وفي الوقت نفسه يمارسون رسم اللوحة، و هناك احتمالان، اما أن تصبح اللوحة مثل الرسم الصحافي، أو أن الرسم الصحافي يصبح مثل اللوحة، وهذا هو التحدي، وقد قررت أن أجعل الرسم الصحافي أقرب ما يمكن الى اللوحة، وأن تكون اللوحة أبعد ما يمكن عن الرسم الصحافي، هذا هو التحدي الذي يواجهه جميع الفنانين الذين عملوا في الصحافة.
• ما رأيك في الرسوم الصحافية الموجودة الآن؟
- هناك واقعة توصف الحال الذي وصلنا له جيدا، منذ سنوات، قررت الكاتبة سناء البيسي الصحافية المعروفة وحرم الفنان المرحوم منير كنعان أن تقوم بعمل مسابقة للرسم الصحافي احياء لذكرى زوجها، ورصدت جائزة، وتقدمت بالفكرة لنقابة الصحافيين، التي احتضنتها، وتقيم مسابقة سنوية، أحكمها مع الفنانين محمد حجي وجمال قطب.
ولكني منذ العام الماضي امتنعت عن التحكيم، لأن مستوى الأعمال المقدمة ضعيف للغاية، ولو نظرنا للرسوم المنشورة في الملاحق الأسبوعية للصحف اليومية الكبرى نكتشف مدى ضعف هذه الأعمال، بالرغم من أنه في وقت من الأوقات كان كبار الفنانين يرسمون في الصحافة مثل آدم حنين، وحسين بيكار، وجورج البهجوري، ويوسف فرانسيس وغيرهم.
لذلك كان امتناعي هذا العام عن التحكيم، كنوع من التنبيه الى أننا لا يجب أن نشجع هذا التدني، فحين أمنح جائزة خمسة آلاف جنيه لشاب رسم باهمال، دون أن يدرك قيمة العمل، ودون أن يجوده فأنا اذن أشجع على التراجع.
• ما أسباب هذا التراجع؟
- أولا عدم اقبال الفنانين الجيدين على المشاركة في العمل الصحافي، بالرغم من أن ذلك موجود في العالم المتحضر ففي أميركا مثلا هناك مجلة اسمها the newyorker مشهورة جدا، وهي من أرقى المجلات، يعتبر غلافها منذ سبعين سنة لوحة مهمة جدا، وكذلك الصحف، نرى المقالات السياسية الكبيرة في الصحف الكبرى العالمية سواء في انكلترا أو في أميركا تصاحبها رسوم في منتهى القيمة والقوة الفنية، ليست ترجمة فورية للمقال، هي مصاحبة له ومعبرة عنه، وقد حاولت تحقيق ذلك في مجلة «وجهات نظر» حين توليت رئاسة تحريرها الفنية، كذلك أصبح اهتمام المسؤولين عن تحرير الصحف بهذا الجانب ضئيلا، وللأسف ينظر الآن الى الصفحات الفنية والثقافية على أنها صفحات ليست ذات أهمية، وذلك لأنه لا يوجد لدى المسؤولين عن هذه الصحف تصور كامل عن دور الصحيفة الثقافية في المجتمع، وأنها من أهم وسائل تثقيف المجتمع، بالرغم من دور التلفزيون.
• كتب الأطفال... هل يخرج فيها حلمي التوني ما لا يخرجه في سواها؟
- نعم، هناك شيء ما داخلي يخرج بدرجة أكبر في كتب الأطفال، وقد رسمت منها ما لا أستطيع احصاءه، ولكني أعتز بشكل خاص بالكتب التي ألفتها ورسمتها بنفسي، خاصة سلسلة «كان زمان»، التي استعدت عبرها وسجلت فيها أمورا كثيرة اختفت من حياتنا، ملامح شعبية كانت في الشارع من تلك التي نحبها ونعتز بها - كالحاوي والقرداتي - وعربة الفول، وعربة الترمس.
استعدت عبرها الأبواب التي اختفت من حياتنا وأصبحت زجاجية بعد أن كانت من الحديد أو الخشب البديع، استعدت تفاصيل كانت موجودة داخل بيوتنا، كمحمصة ومطحنة البن، و صينية القلل بالنعناع والريحان التي كنا نعرفها، سجلت عبر هذه الكتب كيف أن الانسان المصري البسيط ـ خاصة في الريف ـ لم يزل يحافظ على التراث المصري القديم في الرسم على الجدران، كل كتبي للأطفال موجهة للكبار والصغار، تطرق مساحات غير مطروقة.
•الطفل داخلك... ماذا تريد له؟
- أريد أن أحافظ عليه، وأعتقد أنني محافظ عليه، هذا الطفل مهم جدا في الرسم بالنسبة لي، لو اختفى يجف الرسم، و لن أجد الجرأة لوضع المساحات الحمراء الكبيرة في لوحاتي، الا اذا كنت فنانا كبيرا عالميا، والفنان العالمي مثل بيكاسو هو طفل لم يتوقف عن اللعب، فكل الفنانين الكبار يعرفون أن الحفاظ على الطفل الموجود في الداخل هو كنز الفنان، اذا ضاع تخشّب وجفّ.
• هل وظيفة الكاريكاتير أن يُضحك فقط؟
- لا... وظيفته أن ينبه، وأنا لا أضحك أبدا، هناك أناس تخصصوا في الاضحاك، وهم أحرار هنيئا لهم، أنا أدعو الى السخرية، وليس الى الضحك، وكثيرا ما ألجأ الى نشر خبر منشور في الصفحة الأولى بجريدة الأهرام مثلا، وأعلق عليه تعليقا ساخرا.
-
• قلت انك لا تقبل أي توجيهات أو تعليقات على رسومك، هل حدث من قبل أن تم توجيهك أو الحذف من عملك؟
- لا يمكن أن يوجهني أحد، الحذف تم، ولكني لن أتحدث عنه، لأن هناك فضيحة كبيرة في هذا الشأن، ولكن أحيانا يخطئ أحد ويقول لي: «ما تعْملّنا حاجة عن كذا»، فأصمت بدلا من أشتمه وأبدي غضبي، فيفهم أني معترض،
ولكن فكرة التوجيه لم تعد مستغربة اليوم، حيث وصلنا الى الدرجة التي نرى معها في الصحف لوحة مكتوب عليها «فكرة رئيس التحرير وريشة فلان»، هذا أمر كنا نراه قديما - في مدرسة أخبار اليوم - أيام علي أمين ومصطفى أمين، حينها كان هناك مجلس للكاريكاتير يتألف من مصطفى أمين، وعلي أمين، وأحمد رجب يجتمع يوميا قبل مجلس التحرير، فيجلسون ويضعون أفكارا للكاريكاتير، ليرسمها رخا وصاروخان.
الرسامون كانوا معتادين على تلقي الأفكار وترجمتها الى رسم، أما حين ظهرت - مدرسة روزاليوسف - متمثلة في مجلة صباح الخير قضي تماما على هذا الأمر، أصبح لا يستطيع أحد أن يقول لصلاح جاهين ماذا يفعل ولا لحجازي أو رجائي، ولكن الآن من آن لآخر يحاول بعض الصحافيين املاء أفكارهم على أدوات التنفيذ الذين يُدعون رسامين، والفنانون يقبلون أو يرفضون هذا.
• لكن هؤلاء الفنانين الشباب يحتاجون الى دعم الكبار لمواجهة مثل هذه التدخلات؟
- هذه معركتهم، وهي معركة قاسية، وتزداد قوة مع الأيام، والحاجة للمال، ولكنها معركة حرية الفنان عليه الوقوف أمام التدخل في عمله، كذلك الصحافي عليه رفض التدخل فيما بكتب، هي معركة حرية في العالم والوجود والحياة، العالم كله يجب أن يخوض معركة حرية.
نقلا عن جريدة الرأي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق