يسعى الشاعر الفلسطيني زكريا محمد إلى إعادة الأمثال الجاهلية إلى سياقها التاريخي وأصلها الديني مرجحا أنها تنتمي إلى الكهنة قبل أن تتداول في الحياة وتكتسب شهرتها داعيا إلى بذل الجهود لفهم مغزى الأمثال التي تحولت إلى ألغاز بعد انقطاعها عن هذا الأصل.

ويقول إن تجاهل الأساس الديني للأمثال الجاهلية نقلها من ملكية كهنة المعابد حيث بيت الأساطير وطقوس العبادات إلى ملكية كهنة اللغة الذين "حولوا كل مشكلة تعرض لهم بسببها (الأمثال) إلى نكتة لغوية" وإن هذا يفقد الباحث "مفتاحا مهما من مفاتيح أديان العرب قبل الإسلام" إضافة إلى طقوس الديانة في الجاهلية.

ويشدد في كتابه "ذات النحيين.. الأمثال الجاهلية بين الطقس والأسطورة" على أن المثل هو روح الأسطورة وأنه ليس من اختراع لغويين مهرة بل كهنة ابتكروا الأمثال فأنقذوا الأساطير من الضياع ثم ضمنت الأسطورة الازدهار والانتشار للأمثال.

ويقع الكتاب في 447 صفحة كبيرة القطع وأصدرته (الأهلية للنشر والتوزيع) في عمان. والكتاب جزء من اهتمام المؤلف الذي قدم من قبل كتابا ذا صلة بقضية الدين والأساطير في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بعنوان "عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية".

ويقول المؤلف إن الأسطورة لا تقدم نفسها كأسطورة بل كتاريخ عبر سرد واقعي وليس أسطوريا.ومن الأمثال التي تضمنها الكتاب "رماه بثالثة الأثافي" وهي قطعة ناتئة من الجبل يوضع فوقها القدر.

ويرى زكريا محمد أن التفسير السائد "غير المقنع بالمرة" والذي اطمأن إليه اللغويون يعني "رماه بأعظم الدواهي" ولكنه يذهب في اتجاه آخر قائلا إن التفسير اللغوي قاصر إذ لم يدرك اللغويون "المعنى الميثولوجي للمثل" وإن ثالثة الأثافي هي الحد الثالث من كل ثالوث.

ويقول إن الثالوث المكي المعروف باللات والعزى ومناة "قدر كونية يقف عليها الكون. لكن الأثفية الثالثة في هذا القدر أي مناة قدر ترمز للموت والهلاك. وجذر (مني) الذي هو أصل كلمة مناة يعني الموت" الذي هو المنية.

ويستشهد ببيت من الشعر "يؤكد" فيه علقمة بن عبدة أن ثالثة الأثافي ترمز للموت لا للضخامة اذ يقول "بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا-عريفهم بأثافي الشر مرجوم" بمعنى أن الموت نهاية الجميع مهما يكن علو شأنهم.

ويخلص المؤلف إلى أن للأمثال قصصا عنقودية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر ولهذا قيلت جملة "فصارت مثلا" والتي تعني أن جملة ما ذات منشأ ديني أو طقسي أو أسطوري تمر بمراحل تاريخية وخبرات متراكمة إلى أن تأخذ شكلها النهائي ثم تحتل موضعها في كتب الأدب.

ويضم الكتاب ملحقا عنوانه (الطائر المخمور) وهو فصل أو كتاب مستقل يقع في 126 صفحة ويتناول فيه مصائر بعض "الآلهة" التي كان لها أصنام في مكة الجاهلية ومنها "مجاور الريح" على جبل الصفا و"مطعم الطير" على جبل المروة قائلا إنهما يوجزان ثنائية ميثولوجية هي أسطورة الخمر والخبز أو الصيف والشتاء أو النغمة العالية للكون في مقابل النغمة السفلى أو الذكر والأنثى.

ويرى أن القرآن "أوثق مصدر عن ديانة الجاهلية" رابطا بين ديانة مكة في الجاهلية والديانة المصرية القديمة "ذلك أن ديانة مكة بصنميها مطعم الطير ومجاور الريح وبثالوثها (اللات والعزى ومناة) اختصار لأسطورة المنطقة كلها"

نقلا عن ميدا ايست

قليلة جدا هي أخبار ركن الدين الوهراني المنسوب إلى مسقط رأسه مدينة وهران بالغرب الجزائري.. مع أن أحواله في الكتابة عجيبة، ومدى الخيال في رسائله عريض فسيح، وباعه في النقد والسخرية والتجريح والصراحة طويل؛ فلم يكن يخشى انتقام وزير أو سطوة أمير، يمزج في كتابته بين أسلوب الرسائل في الديباجة و مراعاة الألقاب، على سبيل السخرية والتهكم، وأسلوب الخطابة في الجدل والاحتجاج بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والشعر والأمثال، في سياقات مناسبة كثيرا ما يختلط فيها المدنس بالمقدس، وبأسلوب المقامة في ربط الأحداث بعنصر المكان، دون التقيد بباقي عناصر كتابة المقامة المعروفة، وبأسلوب كتابة الرحلة التي كانت دائما توحي للوهراني بمشاعر الغربة والوحشة والتبرم من الناس، وخاصة بعد إخفاقه الذريع في رحلته إلى بلاد المشرق، وكساد بضاعته الأدبية هناك عندما قامت دولة الكتابة الفاضلية التي لم يكن يشق لها غبار.
وعندما تجرع مرارة الخيبة تحول عن الجد إلى الهزل، وجنح في كتابته إلى السخرية من الزمن و أهله وأمكنته، وإلى التصوير الكاريكاتوري الفاضح للعورات النفسية والجسمية والعقلية لكثير من شخوصه الذين سلط عليهم جام غضبه، ولم يتورع عن ذلك حتى عند مخطابته لكبار زعماء عصره، كنور الدين محمود الشهيد الأتابكي، وخلفه صلاح الدين الأيوبي، رغم ما عرف عنهما من سداد وصلاح، ثم بقية وزرائهما وأعوانهما الكبار من قبيل القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني والعماد الكاتب الأصبهاني، فما بالك بمن هم دون ذلك، أو من هم على شاكلته من الكتاب والفقهاء والعلماء والأدباء العاديين الذين كان يحلو له دائما أن يلهو بهم ويعبث بسيرتهم.
فكل واحد من رجالات عصره الذين عرفهم، عن بعد أو عن قرب، قد أصابه ما أصابه من لسان الوهراني الساخر، تارة بالتصريح، وتارة بالرمز والتلميح، حتى صار أسلوبه معروفا لدى القاصي والداني، كما يدل على ذلك كلام ابن خلكان في هذه السطور القليلة التي خصصها له، عندما أفرد له ترجمة في كتابه (وفيات الأعيان)، وقد أثنى فيها ثناء كبيرا على أدبه الغزير الذي يشمل رسائل ومقامات ومنامات.
والمنامات فن شبيه بالمقامة والرسالة، نهج فيها نهج المعري في رسالة الغفران، في افتعال الأحداث الأخروية عند الحشر، وقد تميز الوهراني بها عمن سواه من الكتاب، وخاصة منامه الكبير، قال عنه:
أبو عبد الله محمد بن محرز بن محمد الوهراني الملقب ركن الدين، وقيل جمال الدين؛ أحد الفضلاء الظرفاء، قدم من بلاده إلى الديار المصرية في أيام السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وفنُّه الذي يمت به صناعة الإنشاء، فلما دخل البلاد ورأى بها القاضي الفاضل وعماد الدين الأصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه أنه ليس من طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم، فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل، وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهي كثيرة الوجود بأيدي الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوته، ولولا طوله لذكرته، ثم إن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا، وتولى الخطابة بداريا، وهي قرية على باب دمشق في الغوطة.
وتوفي في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (575 هج) بداريا، رحمه الله تعالى، ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني. نقلت من خط القاضي الفاضل: وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني.
وهذا الآن، نص رسالة الوهراني العجيبة في مضمونها وأدائها، وقد جاءت على شكل محاورات تأخذ شكل مكاتبات ومجاوبات شبيهة ببعض الفصول المسرحية، وتبدأ ديباجتها بسرد الراوي المجهول لوقائع الأحداث الأولى، على طريقة بناء المقامة الذي يتبع في الأصل أسلوب المحدثين في إسناد الخبر.
ثم يمضي الوهراني بعد ذلك في نسج خيوط قصته أو حكايته تدريجيا، حتى يصل بها إلى نهايتها المحتومة.
وقد أسند بطولتها بطريقة رمزية إلى جامع (جلق) وهو جامع بني أمية الكبير في دمشق، وتحت سلطته تنضوي بقية مساجد دمشق ومشاهدها وأضرحتها.
وقد اجتمعت كلها عند هذا المسجد الجامع الذي كان لها بمثابة الملك، للمشاورة والمحاورة، وليدلي كل طرف بشهادته، في أداء خطابي، وبطريقة تناوبية وتراتبية، على سوء أحواله وضياع حقوقه، ثم بعد ذلك تتوحد كلمة المسجد الجامع مع من تحته من الأضرحة والمشاهد في خطاب واحد شاهد على لسان حالها، ثم يرسل إلى القيم على شؤونها، وهو سعد بن أبي عصرون، لعله ينظر في أمرها ويصلح ما اختل من بنائها.
وعندما فوجئت المساجد برد ابن عصرون المخيب لآمالها اضطرت إلى رفع أمرها إلى الملك العادل نور الدين محمود الأتابكي، وعندها فقط يأتي الفرج على يد هذا الملك العادل الذي سيرفع عنها ما كان قد حل بها من إهمال ونهب لحقوقها وأوقافها، وليعزل ابن عصرون الذي اتهمه الوهراني بتعطيل مصالحها.
لقد بنى الوهراني رسالته على هذا الشكل لتأتي متطابقة مع حقيقته الشخصية، فقد كانت حياته في المشرق شديدة الصلة بالمساجد والمشاهد والأضرحة التي كانت ملاذه الأول في مرحلة الضياع والتشرد وفي مرحلة الانتعاش والاستقرار، عندما انتبه بعض الفضلاء إلى علمه وفقهه، فأسندوا إليه الخطابة في مسجد صغير بقرية (داريا)، وهي ضاحية من ضواحي دمشق المدينة التاريخية الشهيرة.
وقد ساءه حاله كما ساءه حالها، وكانت غربته جزء من غربتها عندما آل أمرها هي الأخرى إلى الإهمال والضياع. إنه مظهر من مظاهر توحد الفقيه العربي عامة والمغربي خاصة بالأماكن المقدسة في جغرافية العالم الإسلامي، ولطالما كانت تلك المساجد وتلك المشاهد والأضرحة الملاذ الأخير لكثير من المنبوذين والمثقفين والمهمشين في تاريخنا القديم، فهل كانت رسالة الوهراني هذه نوعا من الوفاء بحقها تجاهه عندما رعته وآوته، في الوقت الذي تحاماه الناس وجفوه وأقصوه؟؟!!
وهل ينتبه إليه الدارسون المعاصرون، بعد أن صدرت مجاميع كتاباته، منذ سنة 1968م، ثم ليطويها بعد ذلك النسيان،عدا بعض الإشارات العابرة هنا وهناك!!

نص الرسالة:

قال بعض العارفين بطريق الانتحال على لسان الحال:

لما تحكمت يد الضَّياع في مساجد الضِّياع، وأُرْتِج باب العدل وغُلق، ونُبذ الكتاب وخُلق، فزعت المساجد إلى جامع (جِلَّق)، وهو يومئذ أميره، وعليه مدار أمرها.

فلما اجتمعوا على بابه، ودخلوا تحت قبته ومحرابه، كتب له جامع (النَّيرب) قصة إليه، وسألوا عرضها عليه، وكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة:

المماليك ـ مساجد الكورة ـ يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، البديع الرفيع المكرم، كهف الدين، جمال الإسلام والمسلمين، مدفن الأنبياء والمرسلين، ملجأ الفقراء والمساكين، مأوى الغرباء والمقلين، بيت الأتقياء والصالحين، معبد الملبين، صاحب الدواوين، بِنية أمير المؤمنين.أيد الله أنصاره، وأعلى مناره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إلى مجلسه السامي ما يقاسونه من جور العمال، وتضييع الأعمال، ونهب الوقوف، وخراب الحيطان والسقوف، قد لفهم الظلم والظلام، وأنكرهم المؤذن والإمام، فلا تسمح لهم حسيسا، ولا ترى فيهم أنيسا، إلا آذان البوم، وتسبيح الغيوم، وقد ركعت حيطانها، وسجدت سقوفها وأركانها، وانصرفت من الصلاة أربابها، وسكانها تنوح عليهم الأجراس والنواقيس، وترثي لهم البيع والنواويس:

يرثي له الشامتُ مما به
ياويح من يرثي له الشامت

وقد فزعنا أيها الملك إلى بابك، وأوينا إلى جنابك، فافعل معنا ما هو أولى بك، ورأيك العالي والسلام.

فلما وقف الملك على هذه الشكاية، وعلم بمقتضى هذه الحكاية، استوى جالسا من مقعده، وضرب بيده، وقال: كيف وأنى أم للإنسان ما تمنى، ثم رفع صوته وغنى:

وما شرب العشاقُ إلا بقيتي
ولا ورَدوا في الحب إلا على ِورْدِي

ثم اشرف الملك من إيوانه بين جنده وأعوانه، فاستقبلنه بالسلام والتحية والإكرام، وأقبل وهو يقلب طرفه في الجموع، ويكفكف أسراب الدموع، لما يرى من اختلالهم، وفساد أحوالهم، ثم رد عليهم السلام، وأذن لهم في الكلام.

فابتدأ جامع( المُزة) المقال، وتقدم بين يدي الملك وقال:

الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب، وصير أموالنا كالسراب، وجعلنا مأوى البوم والغراب، أحمده حمد من كان فقيرا ثم استغنى، وأدرك بمال الوقوف ما تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده المكين، ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأكرمين، أما بعد:

أيها الملك السعيد، ثبت الله قواعد أركانك، وشيد ما وهي من بنيانك، فإن الخراب قد استولى على المساجد، حتى خلت من الركع والساجد، فأصبحت مساجد (الغوطة) غيطان لا سقوف لها ولا حيطان، وجوامع (حوران) مخازن وأفران، ومشاهد(البقاع) صعصعا كالقاع، فكم بِنْيَةٍ لعب الجور بأثوابها، فنسج العنكبوت على بابها، وكم بيوت لله غلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ( فمن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها).
وقد دخل أيها الملك على الوقوف، بحجة العمارة والسقوف، فاختلفت فينا الأهواء، واتفقت علينا الأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والتيار والأنهار حتى يمتحى رسمه، ولا يبقى منه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا، وإليك بعد الله معادنا، فاكشف عن حالنا، وانظر في صلاح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك، والسلام.

فقال الملك: قد سمعنا كلام المساجد، فما بال المشاهد؟!!

فبرز مشهد (برزة) متوكئا على مشهد (الأرزة)، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول:

كلما حاولت أشكو قصتـي
لا ألقى غير ذي قلب جريح
يتشكى مثل شكوى مِحنتي
يالَقومي ما عليها مُستريــح

أما بعد، أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في عدوك آمالك، فإن مقام (إبراهيم) أصبح في كل واد يهيم، ومغارة (الدم) لا تستفيق من الذم، ومشهد (الكهف) لا يفتر من اللهف، ومشهد (هابيل) قد رمي بطير أبابيل، ومشهد (شيث) قد استأصله الخبيث، ومشهد (نوح) نبكي عليه وننوح، وقبر(حلة) ما لنا فيه حلة، وقبر (إلياس) قد وقع منه اليأس، فلحقت المشاهد بأربابها، وأمست رميما كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي:

جرت الرياح على محل ديارهم
فكأنهم كانوا على ميعــــــاد

فتنحنح الملك عجبا، وحرك رأسه طربا، وقال:

رب طارق على غير وعد
وفي كل واد بنو سعــــــــــد

ثم استفتح المقال بأن قال:

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، نصب العدل وسواه، وأمده بعونه وقواه، ( فمن أضل ممن اتبع هواه )، فأهواه بسلبه وأضله على علم، وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الاحتمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه والمال، وأشهد أن محمدا عبده المختار، ورسوله الصادق البار، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، أما بعد:
يامعشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، إنه والله لا ينتهي إليكم من الجور إلا ما يَفضُل عني، ولا يصل إليكم إلا ما يُستعار مني، فلولا أن أركاني سليمة، وبِنْيَتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يُغنى عليه: (يادار مية)، وقد والله شَِرقت بغُصتكم، وحِرت في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل، ردكم إلى الشيخ الفاضل، فلا يراعي لكم حرمة، ولا يكشف لكم غمة، ولا يرقب فيكم إلا ولا ذمة.

شكوى الجريح إلى الغربان والرخم

والرأي عندي أن تكتبوا إلى هذا الشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن في الكتاب أنواعا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم وإلا فالسلطان من ورائكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

فنادوا بالغلام، فأتى بالدواة والأقلام، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب:

بسم الله الرحمان الرحيم، من ملك الجوامع ب(جيرون) إلى سعد بن أبي عصرون:

لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنـــــادي

أما بعد:

ياغدار، لقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم، طالما تغافلنا على خيانتك، وتغاضينا عن جنايتك، حتى اكتنزت الأموال واختزلتها، وجمعت الذخائر واعتزلتها. من أجل هذا كانت سِياحتك، ولأجله طالت نياحتك، وبسببه كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من مُحالك في ابتداء حالك، ومن فساد دينك وضعف يقينك، صليت بالمسوح والقيد حتى ظفرت بأنواع الصيد، وتقلدت بالقرون والعظام حتى تقلدت الأمور العظام أن كنت في هذا العمل إلا كما قيل في المثل:

صلى وصام لأمر كان يأمله
حتى حواه فما صلى ولا صاما

وعرِّفني أيها الشيح المفتون، والبائع المغبون: لم بعت الآخرة بالدانية، والباقية بالفانية؟! إن فعلت هذا إلا لِعلة أو لتحقيق مِلة، إما أن تكون قد استطبت (السكباج)، واستلنت الديباج، وإما أن نصدق أهل الأحقاد في أنك نُصيري الاعتقاد، لا تقول بالنُّجعة، ولا تصدق بالرِّجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومُعاقب ومذموم، وحسبك، وقد بلغني عنك ما أنت عليه من قلة الوفاء لهؤلاء الضعفاء، فاحسم عني أدواءهم، ولا تمكِّن منهم أعداءهم والسلام.

فلما وصل الكتاب إليه، وقرأ ما انطوى عليه فكر وقدر فقُتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس، ثم أدبر واستكبر، ثم لعن المساجد وبانيها، وشتم المشاهد وقانيها، ثم قلب الرقعة وكتب فيها:

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلت رقعتك ـ أصلحك الله ـ كأنها ضربة موتور، أو نفثة مَصْدور، وتخلط فيها الهَزل بالجِد، وتبدي غيظ الأسير على القيد، وأيْمُ الله لقد قَرَفت سَِريا، وقذفت بريا، وجئت شيئا فَِريا، فاشدد من عِقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شكل يذم شكله، ولا كل طائر يحِل أكله، ، وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، ولو كان لك عقل يُهديك، أو رأي يَهديك لواريت أُوارَك، ولسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب ما يتم فيك من المعاصي، حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المروق، ورحاب القحاب، حتى قال فيك القائل:

تجنب دمشق فلا تأتها
وإن راقك الجامع الجامع
فسوق الفسوق به قائم
وفجر الفجور به طالــــع

فلا جرم أن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل الميض على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، وعذبك بالنيران، وقرنك بأشر الجيران، وجعل خطيبك أتوها دائصا، وإمامك أعمى ناقصا، فلو أنك البيت المعمور لهجرت، أو حرم مكة لما حججت، فقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام.

فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد، وقال: اكتب ياغلام، باسم الملك العلام:

من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني ورائي الحجر الذي ورائي، أما بعد:

أيها الملك العادل، أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك، فقد طاولت بعدلك القمرين، وسرت سيرة العمرين، وأنت تعلم أن الله قد طهر بقعتي وكرمها، وشرف بنيتي وحرمها. طالما زوحمتُ بالمناكب لما كنت هيكلا للكواكب، وكم أمسيت مشكاةً للأنوار، وبيتا لأستقص النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملة هود، فتأنست بالزبور، وبالأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقربت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام فتشرفت بدين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأنا المُشَرَّف في كل قرآن، والمعظم في كل أوان، فكيف يسعك ـ أيدك الله ـ أيها الملك المتغافل عن حالي، والمتحيِّن لنهب أموالي، ويدك مبسوطة في العباد ومطلقة في جميع البلاد.
ما يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد أُوقفت موقف الذليل بين يدي الملك الجليل؟ وأقول: أيْ رب سل هذا لمَ أهملني، وسلمني لمن أكلني! فلا ترد جوابا، ولا تجد خطابا، ولا أقبل منك جميلا ولا كفيلا، ولا أقبل عنك شفيعا ولا وكيلا، فتقول: ( ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ياويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء وكان الشيطان للإنسان خذولا).

فقدم أيها الملك السعيد لنفسك ما تجده غدا في رمْسك، وخذ هذا المذكور في الحساب قبل يوم الحساب، فتَبْرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من حمى مساجد الإسلام ورحمة الله وبركاته.

فلما وقف الملك العادل على كتابه، وتجرع كأس عتابه التفت إلى المساجد فرثى لهم وسدد أحوالهم، ولما علم فحوى شكايتهم، وعرف كنه قضيتهم أزال عنهم ظلمهم، (وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم)
ثم نظر إلى ابن أبي عصرون فأنزله واعتزله، وحجبه عن بابه واختزله، وألقاه في سِجن الصدود، وخلده إلى يوم الخلود، وقرأ عليه: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). والسلام.

هامش: (1) النص مقتبس عن كتاب : مقامات الوهراني ومناماته ورسائله ، ص 61 وما بعدها. تحقيق إبراهيم شعلان ومحمد نغش، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، مصر 1968م. الجمهورية العربية المتحدة.

بقلم/ عبد اللطيف المصدق


هذا القسم مخصص لإجراء الحوارات مع مواطنين من مختلف الفئات والأعمار.. قريبا نستضيف المسيو مواطن "الأول" ليجيب عن أسئلة وإن المواطن ذاته يبحث عن أجوبة لأسئلته المزمنة..

خديجه بن قنة ... الإعلامية المتميزة والحرفية المتقنة .. استطاعت بذكائها الفطري وثقافتها الواسعة وعشقها للغة الضاد وبصوتها الآسر الشجي وأدائها غير الرتيب أن تستحوذ على قلوب الجماهير العريضة التي تتابعها على فضائية الجزيرة لامتلاكها ناصية الحضور والقبول والتقدير لشخصها الفريد ...

هي مذيعة بدرجة قبطان .. يقظة وذات قدرات فائقة .. وتتسم العلاقات معها على المستوى الشخصي بالمودة واللطف وخفة الظل .. كان لعتيدة معها هذا اللقاء الثري جدا بالمعلومات ...

1ـ هل توجد حواجز ثقافية بين دول المغرب العربي وبيننا نحن في المشرق العربي؟ وفيما لو كانت تلك الحواجز قائمة فمن الذي أقامها ومن الذي وطدها؟ وما هو الحل للمّ الشمل بين المشرق والمغرب في بلاد العرب المشتتة؟

نحن نعلم أن بين المغرب والمشرق العربيين علاقات تاريخية عريقة أحد أبرز وجوهها كان الدعم المادي والسياسي الذي قدمته دول المشرق العربي وعلى رأسها مصر للثورة الجزائرية إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي دام مائة واثنتين وثلاثين سنة وقد أبدع شاعر الثورة الجزائرية الكبير المرحوم "مفدي زكريا" في الوصف عندما قال في قصيدته التاريخية الشهيرة "إلياذة الجزائر":

ونكبر مصر وأحرارهــا *** ومن آزروا حربنا الطاهــرة


و ليس أدلّ على هذا التلاحم المشرقي المغربي من تلحين النشيد الوطني الجزائري على يد الملحن المصري المرحوم "محمد فوزي"..

ولكن من ناحية أخرى ظلت الحواجز الثقافية دائما موجودة بين طرفي الكيان العربي مشرقه ومغربه، لأسباب تاريخية معروفة، ذلك أن منطقة المغرب العربي في معظمها كان مستعمرُها فرنسياً ومنطقة المشرق العربي في معظمها كان مستعمرُها بريطانياً.

وإذا كان المستعمر البريطاني قد نهب الخيرات وقدم ما لا يملك لمن لا يستحق هدية لإسرائيل فان المستعمر الفرنسي لم يكتف بنهب الخيرات بل عمل جاهدا على طمس الهوية العربية الإسلامية للمنطقة وتحديدا الجزائر التي منع فيها تعليم اللغة العربية على مدى قرن وربع القرن ولم يترك فيها أي معلم ثقافي أو علمي عكس المغرب وتونس اللتين احتفظتا بأبرز معالمها الثقافية خاصة جامع الزيتونة وجامع القرويين.

واليوم زادت الحواجز الثقافية بين المشرق والمغرب رغم وجودهما جنبا إلى جنب داخل كيان جامعة الدول العربية، لذلك نجد بعض الأصوات لمثقفين وسياسيين عرب تستغرب وجود دولة مثل موريتانيا في عضوية الجامعة العربية، وقد أشار إلى ذلك عدة مرات الأستاذ الكبير "محمد حسنين هيكل" عندما أخرجها من الكيان العربي بقوله إن لعنة الجغرافيا تلاحق موريتانيا أو عندما قال عنها الرئيس الراحل "أنور السادات" رحمه الله إنها دولة يجهلها التاريخ..

لم الشمل العربي بمشرقه ومغربه مسألة تحتاج في نظري إلى توفر إرادة سياسية لأن إرادة الشعوب في الوحدة العربية موجودة، وربما علمنا التاريخ في آخر فصوله الحديثة في أوروبا أن الشعوب الأوروبية رغم اختلافاتها العرقية والثقافية واللغوية استطاعت أن تقطع شوطا متطورا جدا في توسيع دائرة الاتحاد الأوروبي شرقا رغم رواسب الحرب العالمية الثانية ..أما الأمة العربية التي توفرت لها كل عناصر الوحدة تفرقت بسبب غياب الإرادة السياسية التي لم تكتف بتقسيم العالم العربي إلى مشرق ومغرب بل قسمته اليوم إلى دول اعتدال ودول تطرف وسنة و شيعة ووفرت بذلك كل أسباب التفرقة التي تجعل مجرد التفكير في الوحدة ضربا من ضروب الخيال..

2ـ من خلال خبرتك في التعامل مع مثقفي الغرب والمثقفين العرب ـ سواء أمام الشاشة أو من خلفها ـ ما هي في رأيك نقاط الاختلاف ونقاط الاشتراك بين الفئتين؟؟

أولا- المثقفون في الغرب ولاؤهم للمؤسسات بينما ولاء المثقف العربي للأفراد ... وهذا ما يفسر صراع المثقف العربي بين ولائه للحاكم والمسؤول وبين ولائه لمهنته ومؤسسته .. وهو صراع لا نكاد نراه في الغرب بسبب وجود مؤسسات حقيقية من جامعات ومراكز بحثية وصحف لها وزنها ينتمي إليها المثقف وهي مؤسسات تقدم له الحماية في ظل وجود أنظمة ديموقراطية توفر للمثقف شروط الإبداع من حرية تعبير وحماية قانونية ..الخ

ثانيا- المثقف الغربي تربى عقله من الدراسة الابتدائية إلى الجامعة على التفكير الديكارتي المنهجي المنضبط بينما تربى العقل العربي على الديماغوجية واستهلاك الطاقة الصوتية ..ويدعم رأيي هذا القول المأثور: الغرب عقلاني والشرق وجداني ..

كانت لي فرصة العمل في سويسرا مع مثقفين سويسريين في إذاعة سويسرا العالمية ووقفت من خلال هذه التجربة على فروق كبيرة بيننا وبينهم في النظر إلى الأشياء والظواهر والحكم عليها ..

لكنني في نفس الوقت لا أملك أن ألوم المثقف العربي على أدائه، بسبب رزوخه تحت وطأة القمع المسلط عليه من الأنظمة السياسية الحاكمة ومنظومة القوانين التي تعاقبه على أبسط الأشياء ..

والمثقفون في الغرب تجمعهم اتحادات وجمعيات مهنية تدافع عنهم في العالم فتجد مثلا أن الصحافي البريطاني الن جونستون من إذاعة البي بي سي المختطف في غزة يحظى بتعاطف عالمي كبير معه ومناشدات دولية لإطلاق سراحه بفضل تحرك المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق الصحافيين لصالحه، وهذا بالتأكيد شيء إيجابي وضروري ولكنك لا تجد على سبيل المثال نفس التعاطف والتحرك عند المثقفين العرب بخصوص قضية سامي الحاج المعتقل في غوانتنامو..

3ـ هل يمكن سد الفجوة بين الثقافتين الغربية والعربية خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر وكيف؟؟

أعتقد أن الفجوة بين الثقافتين الغربية والعربية اتسعت بشكل كبير بعد أحداث 11سبتمبر بسبب حالة التوجس الشديدة الموجودة بيننا وبينهم وانعدام أجواء الثقة وغياب الحوار ..

فأحداث 11 سبتمبر وفرت كل الأسباب المناسبة لمحاربة المسلمين والعرب وبدأت الحرب على الإرهاب باستهداف كل ما له علاقة بالإسلام بدءا من مراجعة مناهج التعليم من الصفوف الابتدائية وصولا إلى مراقبة ما يبث في وسائل الإعلام وما ينشر من كتب ومن إنتاج فكري وثقافي ..

وبدا اليوم للغرب أن كل ما هو إسلام أو مسلم أو إسلامي إرهابا وفي نفس الوقت بدا للعربي والمسلم أن كل ما هو حوار ديني مع الغرب ليس إلا تبشيرا وتنصيرا وكل ما هو حوار سياسي تطبيعا وهرولة نحو العدو الصهيوني وأصبحت كلمة (حوار) و(صراع) مفردتان ملازمتان لأي حديث عن العلاقة بين العرب والغرب ..

اضطراب العلاقة بين الثقافة العربية والغربية تجلت مؤخرا في عدة أحداث منها تصريحات بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر بخصوص الإسلام والرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد (ص) وأيضا من الجانب الآخر قتل واستهداف أو اختطاف الرعايا الأجانب في بعض الدول العربية..

من هنا ربما جاءت الحاجة إلى إطلاق مشاريع إعلامية أجنبية موجهه للعالم العربي تخاطب المشاهد العربي بلغته العربية مثل تلفزيون البي بي سي العربي و فرانس24 العربي وروسيا اليوم بالعربي ودويتشي فيلي بالعربي والحرة وغيرها فيما لا تسد هذه الفجوة الكبيرة من الجانب العربي سوى بعض المشاريع القليلة جدا الموجهة إلى المشاهد الغربي باللغة الانجليزية مثل الجزيرة الانجليزية..

لكن هذا لا يسد الفراغ الكبير والفجوة الهائلة بين الثقافتين إذ لا بد من حوار شامل لا يجمع المثقفين فقط بل أيضا رجال الدين ومؤسسات المجتمع المدني ..

4ـ ما هو الدور الذي يمكن أن يقوم به الإعلام عموما والإعلام العربي خصوصا في التعارف بين الثقافات عامة وتجاوز الثنائية "الإسلام/الغرب" أو "الإسلام/المسيحية"؟ فكما لا يخفى، كلما كان هناك حديث عن حوار الحضارات/الثقافات انصرف ذهن الغالبية الساحقة من الناس إلى الثنائية المشار إليها آ نفا وذلك لفرط تركيز الإعلام عليها؛ فما السبيل إلى الانعتاق من ربقتها كي يكون فضاء التعارف أرحب وأوسع؟؟

لن نستطيع الهروب من هذه الثنائية لأن التنظير لصراع الحضارات جاء من الغرب في مؤلفات هنتنغتون وغيره .. و لأن العالم الغربي لا ينظر إلينا بمعزل عن كوننا مسلمين حتى إن بعضهم يندهش عندما يرى مسيحيين عربا يعيشون في انسجام ووئام مع محيطهم العربي. وقد أسرّ لي أحد زملائي المسيحيين وهو شخصية رصينة ومحترمة ومشهورة في الوسط الإعلامي بانزعاجه من سؤال المثقفين الغربيين له متى وكيف اعتنق المسيحية .. وهو دليل جهل بأن في المنطقة العربية مسيحيون منذ آلاف السنين بل إنها مهد المسيحية...

إذا الغرب لا ينظر إلى حوار الحضارات بمعزل عن كونه حوار أديان أيضا وربما هذه الثنائية ليست موجودة في علاقة الثقافة الغربية مع الثقافات الهندية والآسيوية ..

ثنائية لا مفر منها ولها ما يسندها في التاريخ في علاقة المسلمين بالحضارات الرومانية واليونانية والبيزنطية وغيرها ..

5ـ كيف أثرت الترجمة على عملية نقل الأحداث وما هو الدور الذي يجب أن يلعبه الإعلام المرئي والمكتوب؟؟

الحديث عن الترجمة يفتح بنفسي جروحا عميقة، فقد قرأت مؤخرا مقالا للأستاذ جهاد الخازن يقول فيه إن 330 كتابا يترجم إلى العربية كل عام أي خمس ما يترجم إلى اللغة اليونانية علما أن العرب 300 مليون عربي واليونانيون 11 مليون يوناني ..

أعتقد أنه لا تعليق بعد هذه الإحصائية!!

لكن لو تحدثنا عن الترجمة على مستوى الإعلام والصحافة فربما تكون الصورة أقل كارثية لأنه لا مكان اليوم لصحافي في وسائل الإعلام إن كان غير مزود بعدة لغات تمكنه من الفهم والترجمة وبذلك انتعشت الصحافة المكتوبة اليوم بمقالات تحليلية كثيرة مترجمة من كبريات الصحف العالمية إلى اللغة العربية ..

6ـ هل حدث ذات يوم سوء فهم في نقل خبر معين وذلك بسبب الترجمة غير الدقيقة، وما هو دور المترجم في الإعلام العربي؟؟

يحدث هذا الأمر كثيرا خصوصا إذا كانت الترجمة فورية. فمثلا يحدث أن يترجم المترجم عبارة "ستايت اوف مايند" إلى دولة الفكر وهي قد تكون في الواقع حالة ذهنية أو يحدث مثلا أن تترجم كلمة "فوالي" بالفرنسية أي محجبة إلى كلمة "فيولي" خطأ وتعني مغتصبة..

فحركة حرف واحد تغير المعنى تماما وبالتالي يكون الجهد المبذول من المترجم جهدا عظيما لا يقدر أهميته إلا من جرب صعوبة ووعورة تضاريس اللغات على اختلافها. والحقيقة أنني أشفق أحيانا على إخواننا المترجمين عندما أسمع بكلمات ومفردات جديدة دخلت على قاموسنا مثل مصطلح القومجية والشعبوية والإسلاموية ...الخ

حاجتنا إلى المترجم هي حاجة دائمة لا يلغيها التقدم التقني الهائل الحاصل في مجال الترجمة الآلية بواسطة برامج إلكترونية على الحاسوب رغم أن الترجمة الآلية على الحاسوب توفر لنا وقتا كبيرا وسرعة مذهلة في الحصول على النص المترجم في دقائق، إلا أن جودة الترجمة ليست مضمونة إلا بنسب ضئيلة كما أنها تفرغ النص المترجم من روحه..

لكن في كل الحالات الترجمة هي محاولة لنقل النص من وعاء إلى وعاء آخر لكن خيانة النص الأصلي هي مسألة شبه محتومة كما يقول الفرنسيون: traduire c'est trahir أي الترجمة خيانة.

7 ـ توظيف مكانتك وسمعتك المكتسبتين عبر الفضاء البصري والسمعي لكي تكوني السباقة إلى تكوين لوبي قوى تتكون نواته من أصدقاء اللغة العربية ومحبيها وعشاقها من مثقفين وأكاديميين وباحثين وصحفيين وسياسيين ومؤسسات هامة أخرى مثل الجمعيات الفاعلة ومراكز البحوث وغيرها للضغط على أصحاب الحل والعقد في أنحاء العالم العربي للنهوض باللغة العربية فتنتعش وتفيق من غيبوبتها التي طال أمدها؟؟

لقد فتحت يا ثريا جرحا آخر بهذا السؤال.. لسببين أساسيين:

الأول أن اللغة العربية أصبحت اليوم كالبيت المهجور الآيل إلى السقوط بعد أن تركها أهلها أو كما قالت هي على لسان الشاعر الكبير حافظ إبراهيم:

رموني بعقم في الشباب و ليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي


حتى يصل الشاعر إلى التحذير من قرب وفاة اللغة العربية بالقول:


فلا تكلوني للزمان فإنني *** أخاف عليكم أن تحين وفاتي


وربما هذه هي الحقيقة المُرّة برأيي التي لا يمكن تجاهلها والتي حذرت منها منظمة اليونسكو وهي أن اللغة العربية هي واحدة من اللغات المهددة بالانقراض في العالم ..

وهذه حقيقة ليست مستبعدة ولا مستغربة عندما نضع واقعنا وحياتنا اليومية تحت المجهر، إن أنت دخلت بلدا كالجزائر ستجدين اللغة الفرنسية هي اللغة الطاغية في مكان العمل وفي السوق وفي المقهى وفي المدرسة.. وإن أنت دخلت بلدا في منطقة الخليج ستجدين اللغة الانجليزية هي لغة العمل والحديث والسمر .. و تعتريك غصة في قلبك وأنت تنتقلين من المطار مع سائق هندي يتحدث الانجليزية أو لغة تشبه العربية بركاكة هندية إلى فندق يستقبلك فيه موظفو الاستقبال والمطعم وخدمات الغرف ب: غود مورننيغ .. كان آي هلب يو؟

أبناؤنا يدرسون في مدارس أجنبية وبعد يوم متعب وطويل يعودون إلى البيت لتخاطبهم المربية أو الخادمة باللغة الانجليزية أو الهندية أو الفليبينية..

أما السبب الثاني الذي أثار مواجعي فهو سؤالك عن طريقة توظيف المكانة والمنصب والشهرة في الإعلام السمعي البصري للدفاع عن اللغة العربية...

عزيزتي لا عزاء لي ولك في وسائل الإعلام التي توظف مشاهير الرقص والغناء والجمال والفن في الدفاع عن الميوعة والخلاعة في تلفزيوناتنا العربية ..

8ـ منذ متى وظفت قطاعات الثقافة والتلفزيونات العربية مشاهير الإعلام والثقافة في قضايا الدفاع عن ثوابت الأمة وعن قضايا الإنسان؟؟

للأسف من يتم توظيفهم للتأثير على الناس بدءا من الترويج لعلبة الشبس والبيبسي كولا إلى التحذير من خطورة الألغام هم المطرب والممثل و الراقصة وعارضة الأزياء ...هؤلاء هم سفراء النوايا الحسنة..

الحوار أجرته الاعلامية والكاتبة : ثريا نافع رحمها الله وتغمّدها برحمته ورضوانه

أجرى الحوار: بشير عمري

شكلت ظاهرة الاحتجاج الشعبي العربي التي ارتقت خطابيا وسلوكيا في مقام الثورة في زمن الانزياح الثوري بعد سقوط الإيديولوجيات وقيام أشكالات أخرى في قصة صراع الوجود الإنساني، محور اهتمام العديد من الباحثين والكتاب من العرب كانوا أو غرب وذلك لمحولة فهم هذا الشذوذ عن مسار تطور الآليات التغيير السياسي لدى العرب الذي لم ينبذ بعد أداة التثوير الشعبي لإحداث وإحلال التغيير مثلما حصل في الغرب أين أضحت سلاسة العمل السياسي الدستوري القائمة على الوعي الوظيفي بآلية المؤسسة في تفعيل أي تحول يستهدف تجاوز مرحلة مأزومة في عمر الأمة.
من بين الذين كرسوا أقلامهم لمحاولة استيضاح وتوضيح ظاهرة ما يسمى بالربيع العربي الأستاذة الباحثة والكاتبة اللبنانية مروة كريدية، التي تفضلت مشكورة بقبول الحديث إلينا بشأن خلاصتها في الموضوع.

o يرى البعض أن هشاشة الثورة الشبابية تتجلى في انحسارها عن تقويض بينة النظم الأمنية المتكلسة ما هي قراءتك للفعل الثوري السياسي؟

بداية مصطلح " الثورة " بحد ذاته تحفّه كثير من الملابسات، نظرًا لما يخالطه من نواح سلبية، وما حمله عبر العصور من تغيير ارتبط بمفهوم العنف في بعض جوانبه كما تتنوع سياقاته وفق التغييرات الحضارية التي تطرأ على الشعوب، غير أن النواحي الايجابية للثورة تتمثل في الحقيقة الإنسانية الكامنة في الانتفاضة من اجل كرامة الإنسان الذي يأبى أن تُهان إنسانيته .
والثورة السياسية بمفهومها الايجابي كما أراها تكريس للتطور والتقدم البشري، وهي فعل سياسي يسعى لتحقيق النواحي الايجابية لسياقات التطورات المصاحبة لكافة التطورات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية وغيرها، لأن الثورة السياسية من شأنها أن تضع كافة التطورات موضع التطبيق والتنفيذ العملي؛ هذا طبعًا إذا اعتبرنا أن "السياسة" تعني الحكمة وحسن الإدارة على نحو ينسجم مع القيم الإنسانية، وبهذا التوصيف يصبح الرجل السياسي " هو الخادم المؤتمن المتصف بالوعي والحكمة من اجل تحقيق وتطبيق العدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي والتطور التكنولوجي وغيره .

o مفارقتي تثوير الشبان للشعب ضد النظام و عسكرة النظام للثورة ضد الشعب، خفت الوهج التغييري الذي لاح سليما في تجربتي تونس ومصر، لماذا يعنف في العادة التغيير السياسي في العالم العربي؟

المحور الجوهري والنقطة الأساس في وهج التغيير التونسي والمصري تكمن في سلمية الاحتجاجات و لاعنفية الثورة. لأن الثورة بمعناها الايجابي الجيد لا يمكن أن تكون مسلحة بحال من الأحوال . لذلك فإني أُفضل استخدام عبارة "العصيان المدني اللاعنفي " أو "الاستيلاء المدني" ولكن تبقى كلمة "الثورة" أكثر انتشارا واستخداما .
فالثورة إن انحرفت عن سلميتها تحولت إلى فوضى وحرب أهلية، والأنظمة الحالية الآيلة للسقوط تسعى جاهدة لجرّ المعارضات إلى العنف كي تسوغ لنفسها البقاء.
ما نره اليوم هو تجاهل تام من قبل السلطات لموجبات الديمقراطية، وتكريس الأيديولوجية الأمنية باسم ضرورة استتباب النظام لتبرئ الدولة نفسها أعمالها العنفية و مجازرها التي ترتكبها يوميا. وهو ما نراه حاليا في سوريا واليمن حيث تسعى السلطات اليمنية إلى تعميق الخلافات القبلية والتشرذمات العشائرية داخليا كما تلوح للمجتمع الدولي بفزّاعة الإسلاميين والقاعدة خارجيًّا .
أما النظام السوري فيزعم أن هناك مؤامرة خارجية تحاك ضدّه بسبب دعمه "للمقاومة" ، كما يصور المتظاهرين على أنهم شرذمة قليلون خارجون عن القانون يمارسون العنف والاقتتال الطائفي، كي يكرس بقائه ووجوده عبر أيديولوجية مخابراتية أمنية تتحكم ظلما برقاب البشر فيما يرفض تمام الرفض استقبال وسائل الإعلام ومراسليها على أراضيه .

o من جهة القراءة الفكرية للانتفاضات ماذا يعكس "الربيع العربي " من وجهة نظرك لا سيما وان المثقفين العرب قد انقسموا بين متوجس من اللحظة الثورية ومنخرط فيها، هل تخوف المثقف من الحالة الثورية عائد بالضرورة إلى سوء قراءته لقانون انتفاضة الشعوب وعلى الطرف النقيض هل من انخرط في الهدير الشعبي الثائر واثق من الوعي الثوري الشعبي وتداعياته البعيدة؟

الربيع العربي كشف عورة المثقفين العرب الذين عملوا على فبركة النظريات النخبوية الجوفاء فيما الشارع العربي تجاوزهم بمراحل وشباب التغيير لم يكترثوا بالنظريات تلك بل تصرفوا بتلقائية فيما كان المثقفون على هامش الأحداث في معظم الأحيان .
فمن الناحية الفكرية الحراك العربي عكس بشكل واضح انهيار الخطاب الدوغمائي العقائدي وأعلن عن انتهاء عصر الأيديولوجيات المتطرفة والأصوليات الشمولية، وبالتالي فإن الأنظمة التوتاليتارية أصبحت بحكم المنتهية والآفلة…. وبالمناسبة الدولة الشمولية سقطت نظريا مع ثورة الاتصال المتمثلة بالفضاء السيبيري للانترنت، لان شباب التغيير تجاوزوا واقعهم بأشواط بعيدة، فيما عجائز السلطة ومثقفيهم قابعون في ثلاجة الأنظمة، وجيل الشباب كرسّ الواقعيّة السياسية المتمثلة بالعقلية التداولية وهذا يعني تجاوز كل تفكير ميتافيزيقي أو ميتولوجي أو عقائدي .

o وماذا عن المفكرين و المثقفين الغربيين ؟

هناك تداعيات جليلة أيضا على مستوى الخطاب الفكري لا سيما عند المنظرين والمحللين الأوربيين والغربيين. لأنها ببساطة هدمت أفكارهم وقوضت الكثير من نظرياتهم التي عملوا على أساسها.
بعبارة مختصرة لقد انهار الخطاب الغربي القائل بأن الشعوب العربية غير ناضجة للديمقراطية ولا تُحكَم إلا بالقمع ولا تعترض إلا بالعنف و أن زوال الأنظمة الشمولية يعني صعود التطرف الاسلاموي .
لقد مرت عقود وهم يعتقدون أن الديمقراطيات في العالم العربي ينبغي ألا تضمن المساواة في الحقوق المدنية والسياسية وان تلك الشعوب تقنع بالكفاف من لقمة العيش وبعض التعليم، بيد أن الشعوب أثبتت أنها جديرة بنيل حريتها وهي تريد ديمقراطيات تامة وحريات حقيقية لا شكلية وأنها تنال ذلك بشكل متحضر لاعنفي.

o هي إذن انعكاسات انهيار الخطابات المؤدلجة لدى المثقفين العرب وفشل الخطاب الغربي على الأنظمة العربية ونماذجها ؟

ما لم تُبادر الحكومات العربية إلى إحداث تغييرات جذرية في بنيتها المؤسساتية فإن النماذج الجامدة ستتهاوى بحكم طبيعة العصر المتغير المعولم ، لم يعد ينفع الأسلوب البيروقراطي العاجز لإدارة شؤون البلاد ، كما اظهر النموذج "الانقلابي" فشله الذريع . فالانقلابات العسكرية التي أفرزت بعض الأنظمة العربية أواسط القرن الماضي أخفقت في تحقيق شعاراتها سواء تعلق الأمر بالوحدة والاشتراكية والتقدمية أو تلك المتعلقة بالتحرير والمقاومة، فلا الجولان "تحرر" ولا العدالة الاجتماعية "تحققت" ! إنما تحول النظام إلى جهاز قمع يمارس العنف بحق أبنائه ليل نهار لقد حادت هذه الأنظمة عن أهدافها وشعاراتها وأكلت أبناءها.
لقد برهنت الشعوب من خلال اعتراضها السلمي وعصيانها المدني وجود شريحة من الليبراليين والمدنيين والاجتماعيين من غير الإسلاميين تريد التغيير – وهو ما رأيناه جليًّا في ميدان التحرير في مصر – فالثورة في كل من مصر وتونس برهنتا أن هناك جيل من الشباب يعي تمام العلم حقوقه ويطالب بالحرية .
لطالما كان يتم الترويج إن الاعتراض السلمي اللاعنفي حكرا على الشعوب الأوروبية والغربية " المتحضِّرَة" وان الشعوب العربية لا تجيد سوى "الإرهاب " ولا تُحكم إلا عبر "العسكر " والديكتاتوريات " ، الجيل الجديد اثبت خلاف ذلك وانه يجيد المطالبة بحقوقه بشكل سلمي ، فلننظر قليلا في الحالة اليمنية كما السورية حيث نجد إصرار من قبل المتظاهرين على سلمية المسيرات وعدم الانجرار إلى دوامة العنف .

o أليس تخوفّ الغربيين والقوى الليبرالية من صعود الإسلاميين إلى السلطة عقب نجاح الثورات مبررا؟

الثورات أثبتت "علمانيتها " و"مدنيتها" و "سلميتها " فثورة الياسمين التونسية لم يقم بها إسلاميون بداية وإنما شاركوا بها فيما بعد؛ كما اثبت الطرف الإسلامي المتمثل بحزب النهضة على تمسكه بعلمانية الدولة وقوانينها المدنية وقد صرح بذلك مرارا وتكرارا راشد الغنوشي بعد أن استفاد من تجاربه طيلة عقدين وتماهى مع النموذج التركي .
إن عوامل نجاح الثورة تتمثل في ثلاث مرتكزات وذلك بان تكون علمانية – مدنية – سلمية ؛ علمانيتها بحيث لا تنطلق من منطلقات أيديولوجية وعقائدية تنبذ الآخر ؛ مدنيتها بحيث تقوم على مفهومي المواطنة والديمقراطية ، وسلميتها بحيث يكون فاعل الدفاع هو المواطن المطالب بحقه عبر الاعتصام السلمي والعصيان المدني اللاعنفي وليس كفاحا مسلحا دمويا .

o بدا في مقالك "لماذا يريد الشعب إسقاط النظام؟" نقد لتراتبية السلطة في المجتمع العربي بوصفه انعكاس تاريخي للأصول التأسيسية للأشكال التي تمتد من الأبوية البطريركية التي تقوم عليها العلاقات السلطة الأسرية، هل تعنين أن الإشكال هو كامن في خلال البنى العلائقية أم في الوعي بمفهوم السلطة وتطوره في المخيال الفردي والجماعي العربي؟

نعم ؛ لقد قلت أن الدولة التسلطية تحتكر لنفسها مصادر السلطة والقوة في المجتمع لصالح النخب الحاكمة، مرتكزة في ذلك على اختراق المجتمع المدني وتحويل المؤسسات المستقلّة إلى مؤسسات تابعة كامتداد لأجهزة الدولة في ظل هيمنة صارخة لسلطة الاقتصاد، علاوة على البعد الأيديولوجي لهذه الدولة التي تسعى من خلال الأجهزة الأيديولوجية إلى تبرير مشروعيتها والتأكيد على "مركزية القيادة " مما يترتب عليه ، غياب الحريّات في سبيل فرض القمع الذي يكرس التراتبية الهرمية الذي يفرض الطاعة والولاء من الأعلى إلى الأدنى الذي يكرس النظام البطريركي الأبوي في المجتمعات .كما أن مسألة التحكم بالأجهزة العسكرية والأمنية لا تخضع لشورى الشعب أو البرلمان إنما الكلمة الفصل تكون بشكل مركزي مرتبطة برأس الهرم "الزعيم " فتتحول هذه الأجهزة من مؤسسات مستقلة يُفترض أن تحمي الناس إلى مؤسسة فردية تقمع الشعب بأسره وتحمي" الرئيس " ليستمر في منصبه إلى مالا نهاية .
إن طبيعة الحكم التسلطي تحتّم استعمال العنف والإرهاب أكثر من اعتمادها على الشرعية الحقيقية، سواء كان عنف مادي مباشر يطال الأبدان والأرواح أو عنف وإرهاب فكري ومعنوي، فالانتخابات التي يفرزها هكذا نظام لا معنى له، لأنه يجمّد الحقوق المدنية المقترنة بحقوق الإنسان ، كما يعمل على توظيف الأجهزة الأيديولوجية والقمعية وينفق عليها الميزانيات الكبيرة لأنها هي التي تؤسس وتشرعن وجود هذا النظام وتؤمن الاستمرارية له .
الإشكال يكمن في بنية الوعي لدى الفرد وحسه بالمسؤولية أمام صناديق الاقتراع علاوة على إدراكه لحقوقه المدنية ، الثورات الحالية تُشكل قفزة في الوعي والخروج من دائرة الهرمية السلطوية القبلية البطريركية إلى العقلية التداولية التشاركية.
الثورة الحقيقية تبدأ وتكون من خروج الفرد عن "قمعه" وثورته على نفسه لان مفهوم التسلط يقبع في النفوس وإننا كبشر أسرى عنف يُمارس علينا ثم نعود فنمارسه دون أن ندري، هنا تكمن النقطة المحورية إن أردنا حرية حقيقية علينا أن نطلق سراح أنفسنا من اسر تسلطها وجورها بحق الآخرين وعندها ستنهار ممالك العنف .

مروة كريدية في سطور
تعد الكاتبة مروة كريدية واحدة من المهتمات بالقضايا الإنسانية واللاعنف وحقوق الإنسان ، حيث تطرح العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلال رؤية وجودية تتجاوز الانقسامات الاثنية والدينية والجغرافية، وقد عملت في ميادين فكرية متنوعة، ولها العديد من الأعمال الأدبية و الفنية التشكيلية والخواطر الشعرية والأبحاث الميدانية في علم الاجتماع السياسي. شاركت في أعمال حوار الأديانواللاهوت المقارن، كما نشطت في ميدان الإعلام الثقافي .
تفرغت مؤخرا لدراسة ظواهر العنف في المجتمعات الإنسانية والبنى الفكرية المؤسسة لها وعلاقة ذلك بالحقوق والمدنية وعلاقتها ببنية الأنظمة السياسية والأيديولوجيات ، وهي تتبنى رؤية تتمحور حول كونية الإنسان ووحدة الوجود مما ينعكس في سلوك لاعنفي وانتماء كوني يحترم البيئة وكل الكائنات ويحافظ عليها .

ملاحظة/ أجري الحوار لصالح صحيفة "الأمة العربية"

حاوره/ رحاب لؤيّ
حلمي التوني يحارب الجهل والتخلف والعمامات التي تغطي الرأس والفكر أيضا «هكذا لخص مجموعة من محبي الفنان التشكيلي المصري آراءهم حوله، وحول أعماله وجهده، في «صفحة» أنشأوها خصيصا لأجله على الموقع الاجتماعي الشهير «الفيس بوك»، «التوني» الذي أكد أن هناك تراجعا واضحا في مستوى الرسوم الصحافية بمصر، لم يكن يعرف أن أحدا ما كتب عنه هذا الكلام.
قال حلمي التوني: يبدو أن هناك من يعي وهذا شيء يسعدني، فأنا أحيانا أشعر كما يشعر كثيرون ممن يكتبون أو يرسمون أننا نصيح في الصحراء، ومعنى هذا الكلام أننا لا نفعل، وأن صوتنا يصل إلى بعض الناس الذين يفهمون ما نريد أن نقول سواء عبر الرسم أو الكتابة، وأن بعضهم- وهذا كاف جدا وجميل- موافق على ما نقول، ومعجب به.

• كيف وجدت حال المرأة في معرضك «على الشاطئ»؟

- وجدتها ترتدي - مايوها شرعيا - بينما في الأصل الشرع ليس فيه مايوه، ولا أدري متى تم اختراع المايوه الشرعي، هذه المظاهر كانت لافتة بالنسبة لي، وهي ليست موجودة فقط على الشواطئ، ولكن في المجتمع ككل، هذا الخليط العجيب من الأزياء التي تحمل في طياتها أفكارا، وتعلن عن مبادئ، سواء مستترة أو معلنة، أو مفهومة أو مأخوذة من دون تفكير.
قد لا يكون هناك أحد تصدى لهذا الموضوع أو اقترب منه في مجال الفن التشكيلي، وأنا اقتربت منه بشكل شديد وواضح ومباشر وعنيف، وقد حاولت في هذا المعرض إضفاء السعادة والبهجة الى مشهد كان يمتاز بالسعادة والبهجة ثم أصابته القتامة والظلام والإظلام.

•هل ظهر تأثير هذا المشهد في استخدامك للألوان؟

- وجدتني دون أن أعي ألوّن تلوينا أكثر مما تعودت عليه في أعمالي السابقة، كأنه رد فعل أو محاولة لرد شيء عن فكري، وعن المشهد، لأن هذا المشهد لا يصح أن يكون بهذا السواد، الحياة جميلة ولابد أن نحرص على جمالها، و الا أصبحت آمالنا في الحياة فقط الآخرة.

• في أحد رسوم الكاريكاتير بجريدة الأهرام رسمت أم تقول لابنتها «يا رب أشوفك زي تسيبي لفني»، هل تراها نموذجا؟

- نعم، لأنها امرأة جميلة، وفي الوقت نفسه لديها قدر من الرجولة تفوق رجولة كثير من الرجال، أحسد اسرائيل على أن لديها امرأة تتولى رئاسة الوزارة، ووزارة الخارجية، أين هذا عندنا؟
لا أريد للمرأة عندنا أن يتوقف دورها عند وزارة الشؤون الاجتماعية، أو القوى العاملة، أريدها رئيسة وزارة، وهذا ليس بغريب ففي البرازيل جاءت رئيسة بلاد امرأة، وهناك رئيسات ووزيرات في بلاد اسلامية في باكستان وغيرها.

• معروف عن حلمي التوني استخدامه للرموز، فهل قدمت جديدا منها في هذا المعرض؟

- لقد عرفت باستخدامي للرموز، نتيجة اهتمامي بالفن الشعبي الذي يتميز برموز أساسية، ويقوم على السحر، والرموز والشخصيات المضافة التي تلعب دورا مهما، وفي بعض الأحيان تلعب دور- مفتاح اللوحة - كنت قديما أستخدم رموزا كثيرة كالهدهد والسمكة، ثم قدمت رموزا خاصة بي ليست للفنان الشعبي، كالبيضة، وفي هذا المعرض نجد رموزا جديدة كالسمكة، فبعد أن كانت كاملة، أقدمها في هذا المعرض على شكل سمكة مأكولة، أو هيكل عظمي.

•هل من رمز يمكن القول انه مفتاح المعرض؟

- هناك عنصر رمزي خاص جدا، أعتبره مفتاح المعرض، ألا وهو «برج»، يمكن أن تراه في لوحات المعرض الـ39، وهو رمز صغير يؤكد أن الحكاية ليست شكلية، وأن هناك أمرا أبعد من ذلك، هناك فكر مستتر، يريد أن يعبر عن نفسه.
فهذا البرج الذي نجده على الشواطئ، يجلس فيه عامل الانقاذ الذي ينقذ الناس من الغرق، وهو في الوقت نفسه مكلف ومطالب بأن يرفع كل يوم صباحا راية ذات لون معين، بيضاء، أو حمراء أو سوداء، وكانت الراية البيضاء معناها السماح بنزول البحر، والحمراء انتبه، والسوداء ممنوع النزول، ونجد أن جميع رايات البرج في المعرض عليها راية حمراء، بلا استثناء أي أن معناها انتبهوا.

•ماذا لو فوّت المشاهد ادراك هذا الرمز؟

- قد يدركه المشاهد بعقله الواعي، وقد لا يدركه، حينها سيدور في عقله الباطن، وهذه هي طريقة خطاب اللوحة، فليس من الضروري أن تخاطب العقل والعين بشكل مباشر.

•كيف تتعامل كفنان مع لغة اللوحة، ولغة الكاريكاتير؟

- في الستينات شعرنا بضعف الاقبال، وبغربة تنشأ بين المواطن المصري واللوحة، لذلك لجأت وبعض الفنانين الذين كان لهم توجه سياسي معين، الى العمل الصحافي كي نقيم مدرسة فنية تشكيلية على الورق بدلا من الجدران، كنوع من التمهيد ومحو أمية القارئ أو المشاهد المصري العادي.
كنت معروفا كرسام صحافي أكثر، وكنا نعتبر رسم اللوحة نوعا من الرفاهية التي يمارسها الفنان، البعض انغمس في الرسم الصحافي ولم يخرج، أنا وقلائل غيري كجورج البهجوري الذين استطاعوا الخروج من مأزق وفخ الرسم الصحافي.
لغة اللوحة مختلفة عن لغة الرسم الصحافي، خاصة رسم الكاريكاتير، ولا يجوز، بل يحرم، الخلط بينهما، فهذا خطاب، وهذا خطاب آخر، وأنا من القلائل الذين يمارسون العمل الفني الصحافي، وفي الوقت نفسه يمارسون رسم اللوحة، و هناك احتمالان، اما أن تصبح اللوحة مثل الرسم الصحافي، أو أن الرسم الصحافي يصبح مثل اللوحة، وهذا هو التحدي، وقد قررت أن أجعل الرسم الصحافي أقرب ما يمكن الى اللوحة، وأن تكون اللوحة أبعد ما يمكن عن الرسم الصحافي، هذا هو التحدي الذي يواجهه جميع الفنانين الذين عملوا في الصحافة.

• ما رأيك في الرسوم الصحافية الموجودة الآن؟

- هناك واقعة توصف الحال الذي وصلنا له جيدا، منذ سنوات، قررت الكاتبة سناء البيسي الصحافية المعروفة وحرم الفنان المرحوم منير كنعان أن تقوم بعمل مسابقة للرسم الصحافي احياء لذكرى زوجها، ورصدت جائزة، وتقدمت بالفكرة لنقابة الصحافيين، التي احتضنتها، وتقيم مسابقة سنوية، أحكمها مع الفنانين محمد حجي وجمال قطب.
ولكني منذ العام الماضي امتنعت عن التحكيم، لأن مستوى الأعمال المقدمة ضعيف للغاية، ولو نظرنا للرسوم المنشورة في الملاحق الأسبوعية للصحف اليومية الكبرى نكتشف مدى ضعف هذه الأعمال، بالرغم من أنه في وقت من الأوقات كان كبار الفنانين يرسمون في الصحافة مثل آدم حنين، وحسين بيكار، وجورج البهجوري، ويوسف فرانسيس وغيرهم.
لذلك كان امتناعي هذا العام عن التحكيم، كنوع من التنبيه الى أننا لا يجب أن نشجع هذا التدني، فحين أمنح جائزة خمسة آلاف جنيه لشاب رسم باهمال، دون أن يدرك قيمة العمل، ودون أن يجوده فأنا اذن أشجع على التراجع.

• ما أسباب هذا التراجع؟

- أولا عدم اقبال الفنانين الجيدين على المشاركة في العمل الصحافي، بالرغم من أن ذلك موجود في العالم المتحضر ففي أميركا مثلا هناك مجلة اسمها the newyorker مشهورة جدا، وهي من أرقى المجلات، يعتبر غلافها منذ سبعين سنة لوحة مهمة جدا، وكذلك الصحف، نرى المقالات السياسية الكبيرة في الصحف الكبرى العالمية سواء في انكلترا أو في أميركا تصاحبها رسوم في منتهى القيمة والقوة الفنية، ليست ترجمة فورية للمقال، هي مصاحبة له ومعبرة عنه، وقد حاولت تحقيق ذلك في مجلة «وجهات نظر» حين توليت رئاسة تحريرها الفنية، كذلك أصبح اهتمام المسؤولين عن تحرير الصحف بهذا الجانب ضئيلا، وللأسف ينظر الآن الى الصفحات الفنية والثقافية على أنها صفحات ليست ذات أهمية، وذلك لأنه لا يوجد لدى المسؤولين عن هذه الصحف تصور كامل عن دور الصحيفة الثقافية في المجتمع، وأنها من أهم وسائل تثقيف المجتمع، بالرغم من دور التلفزيون.

• كتب الأطفال... هل يخرج فيها حلمي التوني ما لا يخرجه في سواها؟

- نعم، هناك شيء ما داخلي يخرج بدرجة أكبر في كتب الأطفال، وقد رسمت منها ما لا أستطيع احصاءه، ولكني أعتز بشكل خاص بالكتب التي ألفتها ورسمتها بنفسي، خاصة سلسلة «كان زمان»، التي استعدت عبرها وسجلت فيها أمورا كثيرة اختفت من حياتنا، ملامح شعبية كانت في الشارع من تلك التي نحبها ونعتز بها - كالحاوي والقرداتي - وعربة الفول، وعربة الترمس.
استعدت عبرها الأبواب التي اختفت من حياتنا وأصبحت زجاجية بعد أن كانت من الحديد أو الخشب البديع، استعدت تفاصيل كانت موجودة داخل بيوتنا، كمحمصة ومطحنة البن، و صينية القلل بالنعناع والريحان التي كنا نعرفها، سجلت عبر هذه الكتب كيف أن الانسان المصري البسيط ـ خاصة في الريف ـ لم يزل يحافظ على التراث المصري القديم في الرسم على الجدران، كل كتبي للأطفال موجهة للكبار والصغار، تطرق مساحات غير مطروقة.

•الطفل داخلك... ماذا تريد له؟

- أريد أن أحافظ عليه، وأعتقد أنني محافظ عليه، هذا الطفل مهم جدا في الرسم بالنسبة لي، لو اختفى يجف الرسم، و لن أجد الجرأة لوضع المساحات الحمراء الكبيرة في لوحاتي، الا اذا كنت فنانا كبيرا عالميا، والفنان العالمي مثل بيكاسو هو طفل لم يتوقف عن اللعب، فكل الفنانين الكبار يعرفون أن الحفاظ على الطفل الموجود في الداخل هو كنز الفنان، اذا ضاع تخشّب وجفّ.

• هل وظيفة الكاريكاتير أن يُضحك فقط؟
- لا... وظيفته أن ينبه، وأنا لا أضحك أبدا، هناك أناس تخصصوا في الاضحاك، وهم أحرار هنيئا لهم، أنا أدعو الى السخرية، وليس الى الضحك، وكثيرا ما ألجأ الى نشر خبر منشور في الصفحة الأولى بجريدة الأهرام مثلا، وأعلق عليه تعليقا ساخرا.
-
• قلت انك لا تقبل أي توجيهات أو تعليقات على رسومك، هل حدث من قبل أن تم توجيهك أو الحذف من عملك؟

- لا يمكن أن يوجهني أحد، الحذف تم، ولكني لن أتحدث عنه، لأن هناك فضيحة كبيرة في هذا الشأن، ولكن أحيانا يخطئ أحد ويقول لي: «ما تعْملّنا حاجة عن كذا»، فأصمت بدلا من أشتمه وأبدي غضبي، فيفهم أني معترض،
ولكن فكرة التوجيه لم تعد مستغربة اليوم، حيث وصلنا الى الدرجة التي نرى معها في الصحف لوحة مكتوب عليها «فكرة رئيس التحرير وريشة فلان»، هذا أمر كنا نراه قديما - في مدرسة أخبار اليوم - أيام علي أمين ومصطفى أمين، حينها كان هناك مجلس للكاريكاتير يتألف من مصطفى أمين، وعلي أمين، وأحمد رجب يجتمع يوميا قبل مجلس التحرير، فيجلسون ويضعون أفكارا للكاريكاتير، ليرسمها رخا وصاروخان.
الرسامون كانوا معتادين على تلقي الأفكار وترجمتها الى رسم، أما حين ظهرت - مدرسة روزاليوسف - متمثلة في مجلة صباح الخير قضي تماما على هذا الأمر، أصبح لا يستطيع أحد أن يقول لصلاح جاهين ماذا يفعل ولا لحجازي أو رجائي، ولكن الآن من آن لآخر يحاول بعض الصحافيين املاء أفكارهم على أدوات التنفيذ الذين يُدعون رسامين، والفنانون يقبلون أو يرفضون هذا.

• لكن هؤلاء الفنانين الشباب يحتاجون الى دعم الكبار لمواجهة مثل هذه التدخلات؟

- هذه معركتهم، وهي معركة قاسية، وتزداد قوة مع الأيام، والحاجة للمال، ولكنها معركة حرية الفنان عليه الوقوف أمام التدخل في عمله، كذلك الصحافي عليه رفض التدخل فيما بكتب، هي معركة حرية في العالم والوجود والحياة، العالم كله يجب أن يخوض معركة حرية.

نقلا عن جريدة الرأي

فى الجزء الثانى من الحوار اعتبر أردوغان أن ساعة الشعوب قد حانت فى العالم العربى، وأن عصر الاستبداد قد ولى، حتى قال إنه من الآن فصاعدا فإن من لا يدرك هذه الحقيقة أو يتعامى عنها، ويظن أن إرادة الشعوب يمكن أن تقهر وأن صوتها يمكن أن يحبس، فسيدفع الثمن غاليا ولا يلومن إلا نفسه، إليك ما جرى فى اللقاء.

(1)

رحلته إلى ثلاث من دول «الربيع العربى» (مصر ثم تونس وبعدها ليبيا) استدعت سؤالا عن قراءة تركيا لتحولات العالم العربى. شجعنى على ذلك أيضا أننى علمت أن فريق عمل تشكل فى الخارجية التركية لكى يتابع ويحلل ما يجرى فى العالم العربى منذ لاحت نذر انتفاضة شعوب المنطقة فى شهر يناير الماضى. كما أن رئيس الوزراء عزز مكتبه ببعض المثقفين والخبراء الذين يجيدون اللغة العربية، وهؤلاء ظلوا يحيطونه بدقائق ما يجرى فى المنطقة صبيحة كل يوم، فضلا عن أن وزير خارجيته الدكتور أحمد داود أوغلو أصبح واحدا من أهم خبراء الشئون العربية، وله حضوره الدائم فى عواصمها وفى قلب أحداثها.

سألت فقال: علاقتنا بالعالم العربى لم تعد بحاجة إلى بيان أو برهان (تركيا عضو مراقب فى الجامعة العربية). وهى تتجاوز المصالح الاقتصادية إلى آفاق أوسع بكثير طالت الرؤى الاستراتيجية والهموم المشتركة، التى تحتل قضية فلسطين موقعا متقدما فى سلم أولوياتها. لذلك فإننا نعتبر انتصار الشعوب العربية انتصارا لتركيا أيضا. ذلك أن استعادة الشعوب لإرادتها وحريتها يعد مقدمة طبيعية لانخراطها فى التاريخ، ومن ثم للنهوض بها والتغلب على التحديات التى تواجهها.

أضاف: لقد شهد العالم متغيرات كثيرة خلال العقدين الأخيرين، وكان سقوط جدار برلين علامة فارقة فى ذلك. ولكن الأوضاع فى العالم العربى ظلت بعيدة عن التحولات التى شهدها العالم، بالأخص ما تعلق منها بالحريات العامة. وحين تلاحقت الثورات فى العالم العربى منذ بداية العام الحالى، فإن ذلك كان إيذانا ببدء عصر الشعوب وانتهاء زمن الاستبداد. وكان ذلك هو الدرس الذى تعين على الجميع استيعابه، ولئن بدا أن البعض لم يتسلموا رسالته فى الوقت الراهن، إلا أن ذلك لن يغير من الأمر شيئا، لأن عجلة التاريخ إذا دارت فسوف يتعذر إعادة عقارب ساعته إلى الوراء، حيث لن يصح إلا الصحيح فى نهاية المطاف.

سألته عن زيارته لمصر، فقال ان تركيا تدرك جيدا أن مصر لا غنى عنها فى نهوض العالم العربى أو قعوده. وإذا كان للعالم العربى أبواب عدة، فالذى لا شك فيه أن مصر هى بابه الأكبر. لذلك فإننا نتطلع إلى إقامة علاقة شراكة استراتيجية معها، وإلى توسيع وتمتين التعاون بين البلدين فى مختلف المجالات الأخرى، خصوصا الاقتصادية منها.

● قلت: هل استشعرت تركيا أن مصر فى العهد السابق تعاملت معها بدرجات من التردد والحذر؟

ــ قال: هذا صحيح، وإن كان ذلك لم يؤثر على مجالات التعاون الاقتصادى. كما اننا حين عرضنا إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين اسوة ببعض الدول العربية الأخرى، فإن الفكرة قوبلت ببعض التحفظ، مما دفعنا إلى طرح بدائل أخرى تيسر على أصحاب المصالح فى مصر دخول تركيا وقتما يشاءون. وفى كل الأحوال فإننا ظللنا نتفهم الموقف المصرى ونقدر وجهة النظر التى يعبر عنها. وبعد قيام الثورة واستعادة الشعب قراره وإرادته فإننا نرى أن مصر صوبت مسيرتها واختارت الطريق الصحيح للتقدم والنهضة، الأمر الذى يفتح أمام العالم العربى طريق الأمل والتفاؤل.

(2)

لست متأكدا من أن السيد أردوغان كان مهموما بالحالة السورية طوال حديثه عن العالم العربى وضرورة الانصات إلى صوت شعوبه وأفول نجم الاستبداد فيه، لكنى كنت أعرف أن الرجل ظل طوال الوقت طرفا فى أزمة سوريا، وأنه خلال الأشهر الستة الماضية كان على اتصال دائم ومباشر مع الرئيس السورى بشار الأسد. وان الحوار الهاتفى بين الرجلين اللذين ارتبطا بعلاقة شخصية وعائلية وثيقة، توقف منذ أربعة أسابيع. وان ظل الملف السورى حاضرا على مكتبه. كنت أعرف أن وزير الخارجية التركى نقل إلى القيادة السورية رسائل عدة (خمس على الأقل) بدأت بالتنبيه وانتقلت إلى النصح وانتهت بالتحذير من عواقب التعامل الأمنى القاسى مع الجماهير الغاضبة فى سوريا.

سألته عن سوريا فلمعت عيناه وقال إن علاقاتنا معها كانت على أفضل ما تكون، والتعاون بين بلدين شمل كل المجالات، كما أن التفاهم كان على مختلف المستويات لكن الامور بدأت تتغير بيننا حين خرج السوريون إلى الشوارع معبرين عن غضبهم ومطالبين بإصلاح أحوال البلد بما يرد للمجتمع اعتباره ويتيح له أن يمارس حريته.

وقد أثار انتباهنا أن المطالبات الشعبية السلمية قوبلت بالقمع من جانب الأجهزة الأمنية. إلا أن ذلك القمع لم يثن الجماهير السورية عن عزمها، وإنما تحول إلى وقود أجج الغضب وضاعفه، وللأسف فإن السلطة واجهت الغضب المتزايد بمزيد من القمع الذى أدى إلى إسالة الدماء السورية فى الشارع، وحين حدث ذلك فإننا بدأنا فى التشاؤم، لأن دم المواطنين حين يسيل فإنه يكتب الأسطر الأولى فى شهادة وفاة النظام، وكل نقطة دم أخرى تضيف سطرا جديدا فى شهادة النهاية. حينذاك تم الاتصال الأول بخصوص الأزمة مع الرئيس بشار، الذى تحدث عن أن بلاده مستهدفة من قوى خارجية، ووعد باتخاذ الإجراءات التى تكفل تهدئة الأوضاع والاستجابة لطلبات الإصلاح المنشود. فى أعقاب هذه المكالمة تم ايفاد وزير الخارجية التركى إلى دمشق، لكى يثبت ما تم الاتفاق عليه فى الاتصال الهاتفى، ويتفهم الموقف على الطبيعة.

أضاف أردوغان قائلا إن ما حدث على الأرض فى سوريا جاء مخالفا لما سمعناه من وعود، حتى أدركنا فى نهاية المطاف أن الآلة القمعية لا تريد أن تتوقف، وأن غضب الجماهير السورية يتزايد ويستمر فى ثبات وشجاعة. الأمر الذى يؤكد أنه لم يعد ممكنا إسكات صوت الشعوب بالقمع والسلاح. كررنا الاتصال والنصح، وتمنينا أن تحل الأزمة بالحوار مع المعارضة السلمية، ولكن امنياتنا تبخرت بمضى الوقت. لكننا لم نيأس ودعونا الرئيس السورى إلى اتخاذ خطوات محددة لإنقاذ الموقف هى: سحب الأسلحة الثقيلة من المدن وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين ــ انهاء حالة الطوارئ فى الواقع وليس الاكتفاء بإلغاء القانون دون أى تغيير فى السياسات المطبقة ــ إنهاء احتكار حزب البعث للسياسة وفتح الباب للتعددية السياسية ــ إطلاق الحريات العامة وفى مقدمتها حرية التعبير وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات.

● سألته: ماذا كان الرد السورى؟

ــ قال: ظللنا نسمع وعودا ولا نرى لها حضورا على الأرض.

● قلت الرئيس عبدالله جول قال انه فقد الأمل فى إصلاح النظام السورى .

ــ قال: ليس هذا رأيه وحده للأسف، ولكننى أيضا أشاركه هذا الشعور باليأس.

● قلت: هل يمكن أن يكون هناك إمكانية لانقاذ الموقف بعد قتل نحو ثلاثة آلاف مواطن سورى، فضلا عن إصابة واعتقال آلاف آخرين?

ــ قال: لن نكف عن السعى والتحرك ما استطعنا إلى ذلك سبيلا فسوريا بالنسبة لتركيا ليست بلدا عاديا. ولكنها جار نشترك معه فى حدود بطول 910 آلاف كيلومتر وبيننا وشائج ومصالح مشتركة يتعذر تجاهلها. وإلى جانب أن رهاننا الحقيقى والنهائى على الشعب السورى، إلا أننا ندرك جيدا أن استقرار الوضع هناك جزء من أمننا القومى، لا نستطيع أن نتجاهل استحقاقاته ــ لذلك فإننا لا نخفى قلقنا على سوريا وخوفنا من سيناريوهات مستقبلها.

● قلت: ما هو السيناريو الأسوأ الذى يقلقكم؟

ــ قال: أخشى أن ينتهى الأمر بإشعال نار الحرب الأهلية بين العلويين والسنة. ذلك أننا نعلم أن النخب العلوية تهيمن على مواقع مهمة فى السلطة وفى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وأن يتجه غضب الجماهير إلى تلك النخب ليس فقط باعتبارها أداة السلطة فى ممارسة القمع، ولكن أيضا بصفتها المذهبية. وللأسف فإن النظام يلعب الآن بتلك الورقة الخطرة، لأن بعض المعلومات المتسربة تشير إلى أن نسبة قليلة ممن يوصفون بـ«الشبيحة» ينتمون إلى الطائفة العلوية، وهو ما يعمق الفجوة بينهم وبين الأغلبية السنية، ويثير ضغائن لا علاقة لها بالانتماء المذهبى، وإنما زرعها وغذاها الصراع السياسى الذى اتسم بقصر النظر، حتى بدا أن السلطة فيه مستعدة لإشعال حريق كبير فى البلد، لكى تستمر.

● والحل؟

ــ هكذا سألت فرد قائلا: منذ اللحظات الأولى دعونا الرئيس بشار الأسد لأن ينصت إلى صوت شعبه وأن يقرأ بعناية التطور الذى حدث فى العالم العربى، لكنه لم يفعل للأسف، ولن نمل من تكرار هذا المطلب على مسامعه. ثم إننا لا نرى أملا فى الخروج من الأزمة طالما أبقى الرئيس السورى على أغلب المحيطين به الذين يصرون على استمرار سياسة القمع والقهر وكسر إرادة الشعب السورى. وإذا لم يخط هذه الخطوة فإن الرئيس بشار شخصيا هو الذى سيدفع الثمن.

(3)

● قلت: الآن تقف إيران داعمة ومساندة لسوريا، والهجوم الإعلامى على تركيا لم يعد مقصورا على الأبواق السورية، ولكن بعض الأقلام الإيرانية أسهمت فيه أيضا. لكننا فوجئنا فى الأسبوع الماضى بالرئيس الإيرانى أحمدى نجاد يدعو سوريا ــ لأول مرة ــ إلى عدم استخدام العنف ضد شعبها، مما يوحى بأن ثمة تحولا نسبيا فى موقف طهران.. كيف تقرأ هذه الصورة؟

ــ قال: على المستوى الرسمى لم تتأثر علاقاتنا بطهران، علما بأن العلاقات الاقتصادية تحتل حيزا كبيرا فى مبادلات البلدين. فإيران تعد المصدر الأول للغاز الذى تتلقاه تركيا، كما ان التبادل التجارى بين البلدين يصل إلى 10 مليارات دولار، وثمة اتفاق بين بلدينا على الارتفاع به إلى 15 مليار دولار فى عام 2015.

أضاف إنه من ناحية ثانية فإن التراشق الإعلامى الحاصل يظل فى الحدود المحتملة، ثم انه لم يتحول إلى موقف رسمى أو خطاب عبرت عنه الحكومة.

● قلت: هل لاحظت تحولا نسبيا فى لغة رئيس الجمهورية الإيرانية إزاء سوريا؟

ــ قال: نعم لاحظته، وأحسب أن لتركيا دورا فى تصويب الخطاب الإيرانى، لأن بين بلدينا اتصالات ومشاورات مستمرة، أوضحنا لهم خلالها العواقب الوخيمة التى يمكن أن تحدث لسوريا فى ظل استمرار السياسات القمعية الراهنة. ودعوناهم إلى المراهنة على الشعب السورى والثقة فى مواقفه. وقلنا لهم صراحة لا تدللوا النظام السورى حتى لا يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه ويأخذكم معه، ولكن انصحوه قبل فوات الأوان وحيث لا ينفع الندم. وما تحدث به الرئيس أحمدى نجاد كان من قبيل النصح الذى دعونا إليه.

ختم أردوغان إجابته بقوله إن وزير الخارجية أحمد داود أوغلو سيزور طهران قريبا لمواصلة التشاور حول الوضع السورى. وبعده بقليل سأقوم بزيارة طهران ولقاء مسئوليها، لحسم بعض الامور العالقة وتعزيز مجالات التعاون بين البلدين.

(4)

● سألته كيف تقرأ الحاصل فى ليبيا الآن، خصوصا إن تركيا كانت لها مصالح اقتصادية هائلة مع نظام العقيد القذافى؟

ــ قال: القذافى لم يستوعب جيدا ما حدث للرئيسين مبارك وزين العابدين بن على. ومصالحنا كانت ــ ولاتزال ــ مع الشعب الليبى بصرف النظر عن نظامه. وحين كان علينا أن نختار بين الوقوف مع النظام وبين مساندة الشعب الليبى فإننا حسمنا خيارنا إلى جانب الشعب.

● قلت: ما رأيك فى تدخل حلف الناتو والدور الذى قامت به الدول الغربية فى إسقاط نظام القذافى. وهل تعتقد أن ذلك التدخل برىء وأن الغرب لا ينتظر مقابلا من نفط ليبيا وعقود إعمارها؟

ــ قال: سأختصر ردى فى نقطتين، الأولى إننا ضد التدخل الدولى فى ليبيا. والثانية اننا نعتبر أنه لا حق للدول الغربية فى النفط الليبى ولكنه ملك خالص لشعبها. وأضيف أن فرنسا حاولت أن تقوم بدور منفرد فى ليبيا بدعوى مساندة الثورة، وأصبح لها وجودها على الأرض هناك، لكن هذا المسعى لم ينجح، خصوصا بعد تدخل حلف الناتو. حتى مؤتمر باريس الذى دعت إليه الحكومة الفرنسية لم يحقق النجاح الذى كان مقدرا له.

● قلت: حلف الناتو يجسد التدخل الدولى، ثم إن تركيا اشتركت فى مساندة الثورة؟

ــ قال: كانت هناك مشكلة أحدثها نظام العقيد حين أصر على مهاجمة الذين عارضوا نظامه، واستخدم فى ذلك الأسلحة الثقيلة التى عرضت حياة المدنيين للخطر. وتمثلت المشكلة فى أن الثوار كانوا مخيرين بين التعرض للإبادة من جانب قوات القذافى وبين الاستعانة بقوات حلف الناتو، وكأنه كان اختيارا بين شرين، شر أكبر تمثل فى التعرض للإبادة وشر أصغر تمثل فى الاستعانة بغطاء الحلف. وقد اختار الليبيون الشر الأصغر.

أما بالنسبة لإسهام تركيا فنحن نرفض بشكل قاطع استخدام السلاح التركى ضد أى مواطن ليبى أو أى عربى. وقلناها صراحة فى البداية. لذلك فإن إسهام تركيا باعتبارها عضوا فى الحلف ظل مقصورا على دائرة المعلومات دون غيرها.

ــ قال: كانت لنا عقود سابقة سنستأنف العمل فى تنفيذها. وخطوط الطيران بين بلدينا سوف تستأنف خلال أسبوع. وإذا ما استقرت الأوضاع تماما فى ليبيا ستعود العلاقات إلى حالتها الطبيعية، لأن وجودنا لم يكن طارئا. فلا هو مرتبط بتوقيت معين ولا بنظام معين.

(5)

● أخيرا قلت للسيد أردوغان: هل تعتقد أن سياسة «تصفير المشاكل» (بمعنى انهاؤها والنزول بها إلى درجة الصفر) التى حمل لواءها الدكتور أحمد داود أوغلو طوال السنوات الماضية لاتزال قائمة على الأرض، أم أنها تحتاج إلى مراجعة فى ضوء المتغيرات الحاصلة فى خرائط المنطقة؟

ــ فى رده قال إن الدعوة إلى إنهاء المشاكل لا تعنى أننا سنعيش بلا مشاكل. ولكنها تعنى تهدئة المشاكل أولا بأول، لأننا لا نستطيع أن نستمر فى التنمية أو التقدم بينما المشاكل تلاحقنا وتحيط بنا من كل صوب. بالتالى فهذه الدعوة ليست اجراء وقتيا ينصب على مرحلة بذاتها، ولكنها سياسة مستمرة تلتزم بها لتأمين مسيرتنا وعلاقاتنا مع جيراننا ومع العالم. فعلاقتنا كانت ممتازة مع سوريا مثلا. ولكن التطورات التى حدثت على الجانب الآخر أشاعت حالة من الفتور والتباعد بين البلدين، الأمر الذى سيكون حافزا لنا فى المستقبل لترميمها وإعادة الحيوية إليها. وهذا هدف التصفير الذى ندعو إليه، الذى لا يسمح بتفاقم أى مشكلة وإنما يسعى دائما إلى احتوائها والتقليل من تداعياتها السلبية.

● لما سألته: هل الجولة الحالية فى دول الربيع العربى تدخل ضمن مساعى التصفير?

ــ قال ضاحكا إن التقريب هدفها. حيث لا توجد مشاكل تقتضى التصفير.